قصة قصيرة: قلب صعلوك.
كان يجلس إلى جوار أبيه على عتبة الدار حين أقبل رجل يقود حماره وقال: "حملتُ إليك ما تيسّر يا أبا عدنان، قوتًا يعين على النهار، ويكفيك عار السؤال". تسمّر أبو عدنان وهو يتطلّع إلى الرّجل دون أيّ تعبير ثمّ ضاقت عيناه.
انطلق البالغ من العمر تسعة أعوام إلى البيت مُذيعًا الخبر. تبعثرت سحابة من الحزن عن وجه أمه إذ ابتسمت. كل يوم، لعلّه ينسى جوعه، كانت تشدّ على بطنه بحبل وتعقده بقوّة، وإذا جاء الجيران باللّحم، كانت تحفظه له ولوالديها قبل أن تفكّر بنفسها.
في منزلهم الصّغير، يسكن معهم جدّاه. تحكي جدته حكايات لا يكاد عدنان يصدّقها، عن أمطار أغرقت صحراء مُهرَقان، عن زمن كان الفقر فيه غريبا، عن القصور التي ينامون فيها. قبل الشروع للنوم، يحلم عدنان بالقصور وهو يتأمّل حيطان المنزل.
عندما بشّرهم بالخبر ابتسمت جدته وصفّقت، وجعلت تُنشِد الأغاني، فيما سألهُ جدّه: “أمعه مدخنة وتبغ؟".
كانت أمه قد نهضت من مقعدها حين قالت: “اذهب عاوِن أبوك. غلّف الأخضر واللّبن بقماش مبتل، ورش الملح في اللحّم الزائد واحفظه في الزير".
كان المنزل الذي يسكنونه مائل، في جدرانه وأرضيّته، فجعلَ عدنان لُعبة أن يتدحرج على الأرض، وجدّاه، المُستلقيان دائمًا على السرير، يُصفّقان له. يُذكّره المنزل من الخارج بالكهول، فالنّافذتان تشبهان عينا عجوز، والباب فمه. إذا لم يكن عدنان في المنزل فهو غالبًا يلعب مع أصحابه في القرية. ويستغرق الطّريق إلى هناك ربع نهار، ورغم ذلك يشقّه كلّ يوم. هناك يقضي وقته في اللّعب حتّى مغيب الشمس، وبعدها يُنهكه الجوع، فيَحجب وجهه ويجلس في الأزقة يطلب من المارة ما يسدّ جوعه. أخبره والده ذات مرّة أن أهل القرية فقراء أيضًا، وﻻ يُجمل أن يطلب منهم شيء، فسأله كيف يكونوا فقراء وهو يراهم يأكلون. كان الجنود هُم من أفشوا الفقر. كثرت في الآونة الأخيرة أنباء الزرع الذي يُحرق. في الحرب، يُحرقوا الأراضي ليضطرّ بعدها العدو للخضوع.
ما رآه حين خرج لمعاونة أبيه صدَمه. والدهُ في نفس موضعه، والرّجل يبتعد بالطّعام. “ماذا قلتَ له؟".
قضى عدنان المساء في حجرته جالسًا على طرف الفراش، يُصغي إلى عتاب أمّه في الحجرة اﻷخرى. وأبيه يُصغي إليها ثم يزمجر فجأة بين الفينة والأخرى.
على بعد عشرين قدم من المنزل اصطفّت ثلاثة قبور بتحاذ. ﻻ يعرف عدنان عنهم شيئًا سوى أن واحدًا منهم كان من أصدقاء والده الصّعاليك. تجاوزَ عدنان القبور قاصدًا القرية. والديه يتحدّثان قليلا عن ماضيهما، فكان يعرف أنّهما فقيران بعد الغنى، وأنّهما هاربان من الصّعاليك، في ظروف مُلتوية لم يقدّر له أن يخوضَ فيها كثيرا.
وجدَ عددًا وفيرًا من النّاس يأكلون في المطعم. عندما جاء ذلك الرّجل الذي أنكر أبيه إحسانه تفاقم جوعه حتّى سيطرَ عليه. كانت عيناه مُصوّبتين ناحية الأطعمة على الموائد وهو يعبرها. ﻻ يخال أنّه سيتحدّث فلن يُعرّض نفسه للعار. غير أنّه واثق كلّ الثّقة التي في الكون أنّه سيملأ بطنه. مرّ من رجل يأكل مع رفيقه الفالوذج الحلو، وفي مائدة عائلة صغيرة تأكل الجوزية، وفي مائدة يأكل رجل الزلابية ولقمة القاضي. لم تقع ناظراه طويلًا في أي من هذه الأطباق. كان رجل في ثوب أزرق أنيق يأكل مع ابنه الصّغير طبقًا دهنيًا.
وقف عدنان عنده وسأله: “من أنت؟".
ضاقت عيني الرّجل، ولكن قال بوقار: “أنا غريب من مدينة مسقيّة".
“وأنا غريب".
ابتسم الرّجل بتكبر: “تريدُ ماذا؟".
“ما اسم هذا الطّبق؟".
“تريد لقمة؟".
“سألتك عن اسمه".
كان الطّبق عبارة عن خبز منقوع في مرق اللحم.
“ثريد".
رفع عدنان كلتا يديه حاملًا الطّبق، ثمّ استدار مُندفعًا إلى زقاق مظلم.
استدار وراء البيوت التي تحيط بالسوق. كان المرق ينسكب من حواف الطّبق. سيبيع الطّبق. سيلتهمُ الثريد أوّلًا. ثم يبيع الطّبق ليشتري طعامًا لأهله. بعد مسافة طويلة توغل في الظّلام وبسط الطعام وهمّ بيديه يغرف ويأكل، يغرف ويأكل. سُرعان ما أحسّ بنباهة وامتلاء غير محبب، أقرب إلى التخمة. ارتمى على ظهره مُتطلّعًا إلى النّجوم. مع طلوع كلّ صباح، كان والده يذهب إلى بئر القرية ليملأ دلوين من الماء، ثمّ يحملهما على حماره إلى البيت. لم يكن ينقصهم الماء، بل الطعام. والآن، وهو على بُعد ربع يوم من منزله، ينقصه الماء ليزيل اللّحم العالق في فمه ومريئه.
بالتراب نظّف الطبق وعاد إلى القرية قاصدًا سوقها. يعرف مكان الفخاري جيدًا، فقد دخله مع صُحبته مرات عديدة ليشاهدوا العجوز كيف يصنع الكؤوس والأواني. يعرف أيضًا ابنه، إذ لعب معه مرة، فقد غدى بعدها يتجاهله مكتفيًا بصحبته الخاصة. انتظر عدنان حتى الصباح أمام الورشة إلى أن جاء صاحبها أخيرا.
قال الفخاري: "عمت صباحًا يا ابن حاتم. لم أرك منذ مدة فمن حبسك؟". لم يُسمّه باسمه قط.
أجاب عدنان: "ابنك لا يريدنا".
ضحك العجوز على صراحة الغلام، وأخرج مفاتيحه. كان يعتمر عمامة خضراء كوّرها حول رأسه نصف تكوير، فتدلى طرفها على كتفه. دخل الورشة، وتبعه عدنان وجلس على كرسي والطبق على ركبتيه. جهّز الفخاري ورشته، ثم فرد قماشًا جلبه وشرع في الأكل. "تريد دجاجة؟".
فكّر عدنان بإجابة يقولونها الكِبار عادة، ثمّ هتف: "سبقتك في هذا".
أنهى الفخاري الدجاجة وهو ينظر للطبق فوق ركبتي الغلام بتأمّل، وسأل: “من أين سرقته؟".
“من الـ.. لم أسرقه". رفع عدنان ذقته وقال: “جئت لأبيعه إليك".
“سيتساءل صاحب المطعم عن طبقه". رفع العجوز طرف عمامته إلى الوراء، ونهض. "أعطني إياه".
أعطاهُ عدنان الطبق قائلًا: “إنّه من النحاس. سأبيعه لك بفضّة".
“لو كانت لك لاشتريتها.. ولكنّها لغيرك".
التقط عدنان بضاعته وانسلّ خارجًا إلى الزقاق. سمع العجوز يصيح وراءه: "سأُخبر أبوك إن لم تُرجعها".
عبرَ الزّقاق الموحل مارًّا بغلمان صغار يلعبون بالطّين ثمّ ولجَ زقاقًا آخر حيثُ عبر ركن البزّازين. أكثر الورش خاوية لبكور الوقت، لكن من بعضها انبعثت أصوات نحت الخشب. لفَتت انتباههُ الشّمس وهي ترتفع ساطعة تلقي أشعتها على اللّحوم المُعلّقة في دكّان جزّار. وعلى مقربة من الدكّان، جذبَ انتباهه متجر تحلّق حوله الكثير. كان مفتوحًا للعيان، وأحاط التّاجر نفسه ببضائعه. ألفاهُ عدنان يقول: “انظروا إلى هذه البيضة التي أشرتُ إليها. لن تجدوا مثلها حتّى ولو سرتم الأرض كلّها. إنّها نادرة، وهبها لي ملك مُهرَقان، والذي بدورهِ أهداها لي".
صاح صوت: “كاذب!”.
ضحكَ الخردواتي، وقال: “علمت أنّك ستقول هذا". ثمّ اسدل الستار عن ظلّين أحدهما يُمثّل الملك والآخر ظلّه وهو يستلم بيضة طائر العنقاء. ارتفعت همهمات الدّهشة ثمّ التّصفيق. بعدها تفرّق الناس غير أن قليل دخل المتجر يكلم التاجر. انتظر عدنان ليخلو معه.
سألت امرأة التّاجر وهي تشير إلى قارورة مُضيئة: “ما هذه؟”.
كان عدنان قد دنا من الخردواتي ورآه بوضوح. وجهه مُنتفخ، يبتسم طوال الوقت، يرتدي ثوبًا أصفر فاقعًا، وكيّس في حديثه إذ أجاب السّائلة كأنه على وشك الضّحك: “إنّه مصباح من نور القمر. لن تُصدّقي حكايتي معها، كنت أقطع ريف مدينة مسقيّة والغيوم حجبت عنّي القمر، وإذا بقطعة من القمر تسلّلت من بين الغيوم وحطّت على كتفي”.
“ﻻ أصدّقك”.
“أخبرتك أنّك لن تصدقي”. ضحك التّاجر. "ولكن إذا اشتريتها بمقدورك أن تُخبري النّاس أنّها قطعة من القمر".
سأل عدنان وهو يُشير إلى بساط أحمر مزخرف: “وما هذه؟”.
التفت التّاجر إليه غير عالم بوجوده. ثمّ ملّس على رأسه مُجيبًا: “هذا بساط طائر”. ثمّ سحب البساط وألقاه في الهواء فحلّق البساط بغير رجعه.
لمعت عينا عدنان وهو يتأمّل المشهد. رغِب أن يطلب منه تجربتها. بيد أن شيء ما منعه من النطق.
سأله التّاجر: “أين أبوك؟ أخبره أن يأتي ليدفع عنك ثمنها”. أبوه لو عرف للطمه.
"ليس هنا". ثمّ رفعَ الطّبق وسأله: “بكم تشتري هذه؟”.
التقطَ التّاجر الطّبق مُتمعّنًا إيّاه طويلًا: “لقد سرقته”.
حاول عدنان أن يسحب الطّبق ولكن التاجر شدّه بقوّة إلى صدره وأردف: “سأشتريها وأعطيكَ عروسة”.
اصطفّت عشرات العرائس فوق بعض، ربّما مئات. توقّدت عينا عدنان بلهفة. لكن أهله أولى. "أريدُ فضّة”.
أجاب الخردواتي: “وكيف يُعادل النّحاس فضة؟”. ثمّ التقطَ عروسة من بين العرائس ومدّها إلى صّبي. كانت مبتورة السّاق وبنصف وجه وببطن مثقوب.
“إنّها مَعيبة”.
ضحك التّاجر مملّسًا رأسه مرّة أخرى وقال: “والطّبق كذلك معيب مع كل هذا الوحل”.
نفخ عدنان وحاوَل سحب الطّبق مرّة أخرى، ولكن التّاجر ﻻ يزال مُتشبّث به.
“اعطني إيّاه”.
“أنتَ سرقته. سأرجعه لصاحبه”.
حاول مرّة أخرى سحب الطّبق. غير أنّ التّاجر دفعه دفعةً أوقعته على الأرض. التفت جميع من في المتجر وحوله إذ صاح عدنان: “اعطني طبقي! اعطني إيّاه. اعطني طبقي”.
نادى التّاجر حُرّاسه: “أبعِدوه".
ثلاثة حُراس مسلّحين جرّوا عدنان إلى خارج المتجر. كان قد بدأ بالبكاء، وقد امتلكهُ الغضب وهو يصيح: “يا ثعلب. يا باخس".
صاح رجل غريب: “ماذا تفعلون به؟". وراء الرّجل مجموعة من الرّجال المُسلّحين بالسّيوف والخناجر والأقواس.
أجابه الخردواتي: “لقد سرق الغلام هذا الطّبق".
“وأنت سرقته منه. سمعتُ حديثكما". للرّجل خنجر مُعلّق في حزامه. كان طويلًا، وثيابه الخضراء ووجهه ملطّخان بالغُبار. ربّما عُمره في الخمسينات، ويجوز أنّه في السّتينات، وأكثر ما يُلفِت فيه أنفه الطويل. يعرفهُ عدنان إذ يراه مرّة كلّ عام أو يزيد. صاح: “عمّي”.
قبّله وغّاد وأردف: “كيف هي أحوالكم”.
اندفع يُجيب دون تريُّث: “أهلي ما أكلوا مذ ثلاثة أيّام”.
لاحت الخيبة في وجه عمّه رُغم الابتسامة الظّاهرة. “سيأكلون اليوم. أعمامك جلبوا الطّعام”.
وراء عمّه وغّاد دنا عمّه أبو السّهام الذي كان يجادل التّاجر مع بقيّة أعمام عدنان الستّة عشر. حملَ أبو السّهام ابن أخيه، وهمس في إذنه: “شاهِد ما فعلنا بالتّاجر لأجل خاطرك. هل أرضيناك؟”. لمّا أبصر عدنان المتجر ولج في قلبه الرّعب.
صاح وغّاد في إخوته: “ستجذبوا الأنظار إلينا بأفعالكم”.
أجاب أبو السّهام: “ﻻ أظن. كسرنا ساقيه ورأسه ولم نقتله”.
جميع من في السّوق جاؤوا ليشهدوا ما فعلوا أعمام الغلام صائحين: “إخوة حاتم.. الفئران”.
أردف وغّاد بحزن: “لقد جذبتم خطرًا نحن في غنى عنه".
*******
رجع عدنان إلى داره على جواد تتدلّى على ردفيه قِطعُ لحم ضأن غير مستور. لم يعتد ركوب الخيل في حياته، ولو أنه عاد سيرًا لكان قد وصل قبل عِدّة ساعات. قاده الجواد، بعد وجومه من حوافر خيول أخرى، إلى أماكن في القرية لم يسبق له زيارتها. لكن بعد أن داراه وصل بيته أخيرًا. عندما سلّمه عمّه وغّاد الخيل، دبّت في قلبه البهجة، وتذكّر الأيّام التي حلِم فيها الرّكوب. طلبَ مرّة من والده ببراءة أن يشتري خيلًا قبل وعيه بضيق معيشتهم، وكان يركب حمار ويتخيّل أنّه في معمعة حرب.
ابتهجوا لدى رؤيته، غير أن الابتهاج سرعان ما تحول إلى استغراب. سأل والده: “من أين لك؟".
“وجدت أعمامي كلّهم يا أبي. قال وغّاد أنهم سيجيئون".
رفع والده حاجبيه وأردف: “حدّثني بتفصيل عمّا جرى".
سوّت أمّه اللّحم فوق النّار وجلسوا إلى العتبة تحت ظِلال سعوف النّخل التي شيّدها حاتم. بعد أن قصّ كل ما حدث، قدّمت أمّه اللّحم بصحون خشبية، وشرعوا في الأكل. تناوَل عدنان قليلًا، ثمّ فرِغ متخمًا من الثّريد الذي يليق بوليمة أمراء. سألت جدّته: “لمَ لم يصحبوك؟".
أجاب عدنان: “خشوا أن يتبعهم أحد".
اعتدل أبوه في جلسته، وخاطبَ حماته: “كنتِ ترعين الغنم بنفسك، صحيح؟".
تريّثت العجوز حتّى أتمّت لُقمتها ثمّ أجابت: “كنتُ مع زوجي وأبنائي نربّي الغنم والإبل والغزلان، ونصيد النّمور والضّباع أو نُخرجهم من أرضنا”. حسِب عدنان أنّ هذه الأرض التي يقطنونها هي نفسها أرض جدّه وجدّته وأخواله. غير أنّ الفخاري أخبره ذات مرة أنّهم لم يكونوا هنا قبل ستّة أعوام، يعني ذلك أنّه كان يبلغ من السنين ثلاثة عندما سكنوا هذا البيت المائل. جاؤوا إلى هذه البقعة الميّتة والمُحكمة بالفقر لكيلا يتعرّف عليهم أحد ويُرديهم. كانت أمّه ترعى الغنم كذلك قبل أن يتزوّجها أبوه. حاتم الذي كان جوّالًا مع صحبته الصّعاليك التقت عينه بعينها فاهتزّ كل ما عرفه في حياته. حدّثه الفخاري أنّه هجر صعاليكه لأجلها.
بعد الغداء قاموا إلّا عدنان وجدّته التي أشارت بابتسامة ماكرة أن والديه يُريدانه عند زريبة الحمير. ذهب إلى هناك، فوجد والديه ومعهما جدّه. أشار جدّه بحركة بطيئة أن يدنو ليتحدّث معه. ولمّا دنى انزلَ الشّيخ رأسه. اقشعرّ جسد عدنان إذ سكبَ والديه ماءً بارد فوق رأسه. بتعب، ضحك جدّه قائلًا بنبرة واهنة: “أهلكتنا برائحتك".
قالت أمه: “أنزل إلى الدّلو".
نزع عدنان قميصه وارتمى في الدلو حيث لم يحتمل البرد.
في الصّباح جاؤوا أعمامه الستّة عشر. لقيَهم عدنان مُتحلّقين بعجرفة حول أبيه الجالس على العتبة تحت سعوف النّخل، يضحكون ويسخرون. سمع أبو السّهام يقول: “وجهه مُتدلٍ مُضحك، السّفيه أنذرنا أنّه سيبلّغ صاحب الشّرطة، ذلك ما جعلني أكسر ساقه. كنتُ سأكلّمه بشأن ابنك، غير أنّ نذيره هو ما أغاضني، كأنّه ذو سُلطة".
قال أكبر أعمامه وغّاد: “احتلنا لكيلا يتعرّف علينا أحد، مشينا تحت جنح اللّيل. كانت عيون الملك مُنتشرة، يسألون العابرين، واضطررنا قتل سبعة بعد أن كشفونا، ذلك كان في الظّلام وإلّا امسكَ بنا أعوانهم. بعدها دُرنا حول مزرعة الأمير الذي أغرنا عليه ذلك اليوم، كنتَ معنا؟”. حدّق وغّاد في حاتم بعينين ميّتتين.
أجاب حاتم حانيًا رأسه: “ذلك قبل عشرة سنين”. يتقدّمهم وغّاد وأبو السّهام، والبقيّة يصغون أو يضحكون بينهم.
استأنف وغّاد بنبرة باردة عميقة كبئر: “ﻻ أنسَ كيف هروَل أبو الخُنصر وهو يحمل الخراف والأمير يجري وراءه ويلعن. اضطرّ أخي أبو السّهام إلى نحره. أذكر أنّك عاتبتنا يومها لأنّ الأمير ربّاك”.
قال أبو السّهام ساخرًا بعجرفة: “ﻻ تُذكّره. انتظرتُ خمسة سنين حتّى نسى”.
أردف وغّاد: “لم نضطرّ لقتله. نحن صعاليك وعلينا السّرقة لنعيش. لكن تلك كانت مُغالطة أن نُغير ونقتل الأمير. كُنّا قد أفرطنا في النّبيذ. تذكر حادثة الأمير الآخر؟ أمير مسقية؟”.
لم ينبس حاتم ببنت شفة. اكتفى بالتحديق في الوجوه بعينين ابيضّت من خوف. يعرف عدنان شعوره؛ فقد حدثَ هذا من قبل، يأتون ليتفقّدوا تقلّب قلب أبيه، ثمّ يتوعّدون بالعودة والحُكم.
بدلًا منه، أجاب أبو السّهام بنفاد صبر: “هذا الأمير لم يُربّيك. ولكنّك اتّخذته صديقًا دوننا. سمعت هذا منذ شهرين وقلتُ ما الذي أخبرهُ عنّا؟ أنّا لسنا أخوان رُغم أنّا كبِرنا سويًّا، أكلنا الطعّام سويًا، ونمنا جنبا إلى جنب لأيّام ﻻ تُعد؟ أهوج هو من يظنّ الأخ وجبَ أن تُنجِبه أمّه”.
نفخ حاتم الهواء كأنّه يلعن مُخاطبًا أبو السّهام: “أخبرتهُ أنّي كنتُ فأر من الفئران، وأردت مخرجًا”.
“مخرجًا؟ الآن بعينك أبالسة؟".
“لديّ زوجة وبيت وابن".
صاح وغّاد فجأة: “كفى!”. بترت كلمته ألسنة المُتحدّثين وراءه. ومرّ وقت وهو يشخصُ حاتم بعينيه الميّتتين قبل أن يردف: “أنتَ تعرف ما الواجب علينا فتذكّر أبوك وتذكّر نهجنا وما فعلناه بسليط”.
يعرف عدنان سليط اللّسان جيّدًا من قصص والده. وبكى عليه أبوه كثيرًا حين مات. أخبرهُ أنّه بكاه أكثر ممّا بكى أمّه التي أنكرت عليه صعاليكه. كان لثغة لسانهِ سببًا لتسميته سليط اللّسان على سبيل السّخرية.
استأنف وغّاد: “كان في منزلة أخيك كحالنا جميعًا. أنكر علينا قتل قريبه الجندي ثمّ تردّد عنّا وغاب عنّا وعاد وغاب كديدنك أنت، ثمّ رحلَ عنّا. لم أتردّد في واجبي الذي سارَ عليه آبائي، وعاركته بالعصا وأرديته داميًا، ودفنّاهُ هنا”. أشار بيده إلى القبور الثّلاثة في الفناء. “ﻻ تسير على خطاه يا حاتم، ﻻ تنسانا كما نسيَنا سليط، ولا تنسَ والدك الذي حذّرك ألّا ترضخ للنّساء، ثمّ سطّرت البطولات من أجل إرضاءه. أبنائي ﻻ زالوا يذكرون غاراتك ويحسبون أعداد من أرديته من الأعداء، والآن رجعتَ تُصغي لامرأة”.
صُعق حاتم، فقال أبو السّهام بابتسامة ظفر: “أخبَرنا ابنك”.
كان عدنان يافعًا حين أبلغ أعمامه أن أمه شتمتهم، قائلة إن الحمير نفرت من الحظيرة لدى قدومهم لنكهة روائحهم النفّاذة، وأن جدته ألمّ بها سعال كاد يهلكها. فما كان من أعمامه إلا أن ربتوا على رأسه، مبتسمين: "يا لك من فتى لبيب!".
استأنف أبو السّهام: “والآن تعرف ما في صدورنا”.
وأردف وغّاد: “ورأفةً سنصعد إلى الربوة ونرقد للغد، وإن لم تلحقنا سنرجع في الحال ونختار واحدًا منّا كما هي سنّتنا”.
صاح هاتف من بعيد: “أرجو أن تلحقنا يا حاتم”.
وصاح آخر: “ﻻ نودّ معاركتك”.
وآخر بجزع: “نحن أخوة. لقد حاولنا ثني وغّاد، لكنّه أصر”.
داروا على أعقابهم مُنصرفين. دنا عدنان من والده على مهل. تريّث ثمّ سأل كما يسأل الكِبار: “ماذا سيكون قرارك؟”.
قام حاتم ومضى إلى البيت، وتبعه ابنه. عبرَ أبيه المجلس، أشرع الشّباك على اتّساعه، ثمّ استقرّ على الكرسي مُستندًا إلى ظهره. سالَ ضوء النّهار كاشفًا الغُبار. خلال النّافذة، بعيدة كأنها بين السّماء والأرض، لاحت مزرعة الأمير العجوز. قضى عدنان ساعة يُحدّق في قسمات أبيه التي تبدّلت مرارًا دون أيّ حركة في وجهه، كأنّ حياة كاملة ومضت في ساعة.
*******
في اللّيل، مضى حاتم إلى حجرة ليلى. رقدت المرأة تحت الشُّبّاك المُشرَع، ومن بين عوارضه تبدّى القمر كقوس عملاق مشدود. حين رآها نائمة، أطلقَ أنينًا مكتومًا وارتمى إلى جانبها يُحدّق فيها. ﻻ تزال زوجته تأسره وتُغيّره، بعينيها السّوداوين المُنسجمَين مع شعرها الفاحم، غير أنّ روحها هي ما عذّبته في اليوم الذي التقت فيه العينان، أو ما عذّبه هو روح بسمتها. تأملّ شفتيها، وودّ لو..
حرّكتهما: “أين كنت؟".
أجاب: “كنت مع عدنان. جعلتهُ ينام لأخلو معك”.
كان قد أشفقَ على ابنه بعد ما جرى مع الصعاليك. طيلةَ النّهار، لم ينفك ابنه يُحدّق فيه. وعندما جنّ اللّيل، جلسَ إلى جواره في الفراش. لم يتحدّث الغلام إطلاقًا طوال السّاعة التي قضاها حاتم عنده، ثمّ أسدل جفنيه ونام.
سألت ليلى: “وهل رحلَ الفئران؟".
“ﻻ زالوا مُقيمين فوق الرّبوة. يُريدونني”.
كأنّها ﻻ تُبالي بشيء سألت: “وهل تُريدهم؟”.
لقد أرادهم منذ زمن. أراد أن يرفع اسمه في الأعالي، لكنّهم قتلوا الأمير الذي كان بمنزلة والده. تركه أبوه عنده حتى بلغ سنّ الرّشد، ثمّ انضمّ إلى الصعاليك، فكانت تعوزهم تربيته الرّاقية وفكره النّاضج اللّذين صقلهما العجوز.
ملّس حاتم وجنتها الدّافئة وأجابها: “أُريدك أنتِ”. فتحت عينيها فلامست قلبه بيدٍ خفيّة.
ابتسمت، وقالت بحرج: “وأنا أريدك”. ثمّ ما لبثت أن سألت: “هذا يعني أنّك ستُقاتل واحدًا منهم”. يجزم حاتم أن هذا الواحد هو أبو السّهام، فالآخرين لن يُبارزوه لقربهم منه. أمّا أبو السّهام، فما كان بينهما انتهى بعد ذبحه الأمير.
“تذكرين حين رأيتكِ أوّل مرّة؟”.
عادت ابتسامتها الحزينة وهي تهزّ رأسها. أثقلها الحزن، ودّ لو يدفعه.
قال: “لا أظن أنّي كنتُ أتنفّس قبلك".
سألت بجدّيّة: “ماذا تعني؟".
قال منكوبًا: “أعني.. أنا لم.. ﻻ أعرف أن..”.
فضحكت فجأة وقالت: "لم أدرِ أنّك قصِدتَ التّغزل!". وليدرأ إحراجه، نغزها في مواضع الإضحاك.
قهقهت وهي تُحاول أن تُنبّهه: “ستوقظ أبي".
“ربّما سأموت غدًا".
ارتفعت قهقهتها وصاحت: “مالك وهذه الدغدغة؟".
******
كان سلاحهما عصا نحيلة كما هي العادة غير مرنة صلبة كالهراوة ومصقولة بلا نصل، والمألوف أن ﻻ يرتدِ المُتجاذبان إلّا السّروال، وأن يموت واحدًا منهما على الأقل. اختار الصّعاليك أبو السّهام ليُعارك حاتم، والجُبن ممدوح في هذا الحال، الجُبن والبكاء والعناق والتّلكؤ، بيد أنّ لا وجود لتلك المشاعر في خُلد أبو السّهام. كانت رائحته نتنة كأنّ أمعاءه بارزة فوق بطنه حين نزع قميصه الأخضر. وأحرقت الشّمس جلد حاتم فور نزعه القميص وتسليمه لابنه. أخبره خلال سهرهما أن يتعلّم منه القِتال، فاحضر ابنه معه إلى شجرة الأثل المُرتفعة في العراء، والتي تحتها سيُقاتل خصمه. نشروا حلقة من الصخور واجتمع الأعمام خارجها. كانوا محزونون غير مُشجّعين لهذا، وأمّا عدنان فتدهورت رُكبتاه من الوقوف وارتعدت، فجلسَ والخوف يضربُ بطنه بلكمات من الحقيقة الفظّة التي أمام بصره. الحقّ أنّ شيئًا ما في باطنه يعرف أن هذا القتال سيقام عاجلًا أم آجلًا، شيئًا نبع من السِر الذي يجعل الغلمان يكبرون.
تشابك العصوان وارتفع الغبار ودوى اللّسع ردّده الصّدى. صفقت ضربة وجه أبو السّهام، وأخرى وجه حاتم، واستعملَ كلّ منهما قدمه ويده ورُكبته وحتّى رأسه. سُرعان ما برقت جلودهم من العرق، وباتت رائحة أبو السّهام أنفذ إلى الأنوف. تذوّق حاتم طعم الدّم المعدني بعد أنّ تلقّى رُكبة خصمه نزولًا. وراح أبو السّهام يلهث بشدّة، وتراجع راميًا التّراب بقدمه ليُعمي عبثًا غريمه. تقدّم وسدّد ضربةً بالعصا، وقطعها حاتم بضربة أقوى منها كسرت عصاه، ثمّ وثبَ رافعًا قدمه راكلًا صدر الرّجل بقوّة عاتية هوى فيها الصّعلوك على ظهره. سعُل أبو السّهام وهو على الأرض، وكأنّ الهواء ضاق عليه راح يجمعه، فتلقّى ضربات بالعصا على أنفه وصدره وأذنه وخدّه.
صاح وغّاد: “حسبك يا حاتم!”.
حين تراجع حاتم بعينين مجنونتين وفم دامٍ، ألقى وغّاد عصًا جديدة. التقطها أبو السّهام وهو شبه مُنتحب. ثمّ قام ليواجه حاتم.
رجع اللّسع والصّفيق، وهذه المرّة من طرف واحد. احمرّ جسم أبو السّهام، ومرّت لحظة فقط قبل أن يطلع الدّم من كلّ حدبٍ وصوب كالعيون المُتفجرة. شيء من الذّنب وُلد في قلب حاتم. ألفحت الشّمس رأسه حتّى خالَ أنّه اشتمّ نار، أو لعلّه من أثر صُنعه بجلد الرّجل. شعرَ أنّ العصا جزءًا من يده، وأغمدَ ضميره في ذكريات العجوز، وأخوه سليط الذي سامره أكثر من غيره. طيلة حياته، امتثل الأمير الشّيخ عاليًا في مُخيّلته، ونحره أبو السّهام بطيشٍ كأنّه عارف. طوّح العصا في أذنه، ودفعها ناحية بطنه، واستعمل قبضته. سدّد ضربة أخرى لكنّ أبو السّهام هوى على ظهره مغميًّا. دنا أربعة من الصعاليك، ورشّوا الماء على وجه أخوهم حتّى أفاق، وأعلن وغّاد الواقف بجمود كالشّجرة: “راحة". جلسَ حاتم فوق صخرة، يشرب الماء، ولمعَ العرق في ظهره. استجمع عدنان الماثل وراءه قواه واقترب إليه وقال: “اسمع..”.
نظر حاتم.
“أجهِز عليه".
عندما عادا يتراشقان أحسّ عدنان أنّ البرودَ نفذَ إلى والده. كان يقبض العصا بقوّة ويُحدّق بتحدٍ، وبات الآن يلاعبها، وكان ﻻ يُتيح فرصة، والآن تلقّى ضربة قويّة صدّها بعصاته. ركلهُ أبو السّهام في ساقه اعوَجت بدنه فتدهوَر. استغلّ الرّجل الفرصة فوثبَ فوقه وسدّد بقبضته لكمات أكثرها لم تُصيبه. دفعهُ حاتم فانسلّ الإحكام من يدي أبو السّهام. وقف حاتم فوقه وانحنى الصّعلوك مُلوّحًا. انشقّ عصا حاتم فغدت كالنّصل وصاح صعلوك: “أغرزها فيه".
وآخر: “عجّل عليه".
وآخر: “أرِحنا".
رمق حاتم العصا وتجمّدت قسماته. تطلّع إلى أبو السّهام بعطف غامض وقال: “تستسلم؟".
التقطَ الصّعلوك نتاف حاد من عصا مكسورة، وغرزها في بطن حاتم. وثبَ للوراء من المُفاجأة. اقتلعَ النّتاف فتدفّق الدّم، وطارت عيناه في دهشة. وسارع في غرس عصاته في حلق الصّعلوك. فتقلّب أبو السّهام مُحاولًا إخراج العصا. سحبها بكل ما يملك. من أطرافها انبثق بعض الدم. استطاع إخراجها بمشقّة بيد أنّ شظاياها بقيَت في العظم. نظر إلى حاتم وهو يدنو من الموت.
*******
تجمّع الخلق حول المتجر وهذه المرّة هم أضعاف.
منهم تزيّن بحُلل ألوانها زاهية غريبة. تركوا خدمهم عند مربط الخيول والجِمال عند أطراف السّوق. كذلك سلّح قاضي القرية غلمانه لحِراسة السّوق من النّهب. امتطى القاضي الشّاب ناقته، وقد تزيّن بعمامة بيضاء تتوهّج تحت الشّمس. حوله ووراء الضّيوف المُتجمهرة، خمسة عشر من الحُرّاس مُسلّحين.
- بكم هذه؟
- أنت المقصود.
- أمّاه!
- جئتُ من العاصمة.
- تُريد قلم؟
امتزجت الأصوات على حين اجتهدَ عدنان ليجد مقام وسط الهرج. لكناتهم غريبة على مسامعه. يقف بعضهم راضِ عن مكانه، وكثير يطوفون باضطراب في الميدان. حرّك عدنان رأسه يُمنة ويُسرة بحثًا عن ثغرة. حين وجدها أبصر الخردواتي في متجره مُتكئ على عصا، يُساعده غلام على المشي، وعلى وجهه ﻻحَ الانشغال. ارتدى ثوبهُ الأصفر الذي رآه عدنان يكتسيه في ذلك اليوم البعيد.
رفع رجل عمامةً حمراء ناعقًا: “ما ثمن هذه؟ أجبني!”.
صاح الخردواتي رافعًا عصاه: “يُمنع الدّخول”.
“أتمنع علينا الشّراء”.
“بل أمنع اللّغط”. وقال التّاجر كأنّه يخاطب نفسه: “لقد جُنِنت! عشرة رجال، وعشرة نساء، وعشرة صبية في دكّاني في وقت واحد!”.
قال مجهول: “كأنّي سمعتك تقول أنّك زرتَ المُدن كلّها”.
وصاح آخر: “صحيح، صحيح. ماذا ستُدوّن؟”.
“ﻻ تبكِ يا حبيبي”.
“هاكَ القلم”.
تسلّل عدنان إلى المتجر مُنهك من الصّدام. اقتحمَ المنافذ الصّغيرة، ثم جرّ ثوب التاجر حتى انتبه وصاح: “أريد مساعدتك”.
حملق الخردواتي فيه بنظرة مُحايدة تحوّلت إلى رعب. وأجاب بجزع: “حسن. أضعكَ شيخ الغلمان. ﻻ تدع أحد يسرق”. ابتسم من الخوف وعاد لشغله.
رجع الرّجل يزعق: “يا أعجمي! بكم هذه العمامة الحمراء؟”. يعتمرُ المُستفسر طربوشًا أخضر.
شقّ عدنان طريقه في الزّحام وأجابه: “أعطني، سأسأل التّاجر”.
“أنت تُعاون السّمين وﻻ تعرف ثمنها؟”.
انطلق راجعًا إلى التّاجر وسحبَ ثوبه فانتبه فأشار بالعمامة. عاد إلى الرّجل وأخبره الثّمن.
صاح الخردواتي: “ﻻ أحد ينهب.. رأيتكِ تسرقين! رأيتكِ بأم عيني تسرقين يا لِصّة..”.
أجابته المرأة المتّشحة بالأزرق بنبرة فخورة: “أعرفكم. أنتم تسرقون وتبيعون. أعرفكم”. ثمّ انسلّت بين الحرس. أمرَ الخردواتي غلمانه باللّحاق بها. ثمّ دنا من عدنان وقال: “سنعمل حيلة لتخويفهم”.
ضجّ عدنان من الهرج. “حيلة تقول؟”.
حنا الخردواتي رأسه وصاح مُتظاهرًا بالهمس: “تذكُر الظِّلال؟”.
“ماذا ستفعل؟”.
أشار: “أعطني تلك المبخرة، وأربعة عرائس”.
قاعدة المبخرة النّحّاسيّة محفورة بزخارف مُتخلخلة، ترتفع منها ساق نحيلة وطويلة تحمل الوعاء المُنتفخ كصدر حمامة غائظة، والذي يسدّه غطاء مخروطي. استلمَ الخردواتي المبخرة وفتح الغطاء. ألقى في القاع جمرة مؤجّجة نجميّة وكسرة عود وشراب أصفر له رائحة الطّين. نشرَ العرائس الأربع في حلقة حول المبخرة. كانا قد انحنيا في مكانٍ ضيّق بين أقدام النّاس، يُوجهه التّاجر طيلة الوقت، - أجلب هذا، أرجع هذه، أعطني تلك. - بعد أن فرغا عاوَنه عدنان على النّهوض، وعاد للبيع مع الغلمان بينما استراحَ التّاجر. نال التّعب عدنان بعد ساعة الأصيل إلّا أنّ نسائم هبّت فجأة مُزحزحة الرّوائح العبقة، الفاخرة منها والكريهة، جاذبة هواء أنقى. كان قد ارتفع الدّخّان من المبخرة إلى علوّ بطون الناس، وحيّرته حيلة التّاجر. قبل مغيب الشّمس، وقد كثُر عدد النّاس، همّ بالدّنو منه ليكلّمه في الغرض الذي جاء لأجله، إلّا أنّ هسيسًا ثمّ صليل حديد أجفله. فوق رؤوس المُتسوّقين امتثلَ طيف رجل عملاق يكتسي الأسود. تتدلّى السّلاسل من يديه وتحت عباءته الحالكة. اختلطت صيحات الجزع وزعق رجل: “أبو السّلاسل!”.
كان قد تفرّق الحضور حين ارتجل قاضي القرية من ناقته مزمجرًا: “ساحرٌ أنت؟”.
اعتصر الخردواتي وجهه: “في أماكن أخرى يسمّونه علم”. تصبّب العرق كالبِرك في وجهه وجنبيه.
القاضي يُناهز الأربعين إلّا أن الشّيب غزا لحيته. مضى إلى التّاجر زاعقًا: "الملك فروان منعَ هذا العلم فهل تخدم الأخوات السّاحرات؟”.
أطرق التّاجر، ولحظ عدنان الرّعدة في يده القابضة على العصا: “معذرةً يا مولاي، لكنّ.. هنّ حكاية من الحكايات وليس لهنّ وجود”.
حدّق القاضي ببصر من حديد وسأل: “من أين جئت؟”.
أجاب: “أجوب الأقطار كلّها". بتر حديثه وحاول التقاط أكبر كميّة من الهواء قبل أن يستأنف: "ولم يكن فروان ملكًا. عندما كنتُ في مُهرَقان آخر مرّة”.
تنهّد القاضي مُفشيًا خوفه. وأمرَ حرسه: “أحرِقوا العرائس والمباخر الملعونة”. ثمّ بغيظ: “وإذا رجعت يا خردواتي إلى ذلك فسأعزلك”.
صعدَ على ناقته وحثّها فدارت وعبرت السّوق ببطء. اقتحموا المتجر وأخذوا جميع البخور والعرائس وأحرقوها في الميدان. ارتفعت ألسنة اللّهب بينما يهبطُ الظّلام بكسل على الدّنيا. خاطب الخردواتي عدنان: “لم أعرف أنّ فروان أجسرُ من والده”. كان عدنان يملّس بساطًا أحمر بتأمّل تائهًا بالغابات المُزهّرة من النّقوش الفُسيفسائيّة. قال في خشوع: “مُذهل”.
طارت عينا التّاجر: “اجعل أباك يدفع لك”.
“هل تتمنّى أن يكسروا ساقك الأخرى؟”.
"كلا”.
سحب عدنان الطّبق النّحاسي من بين طيات عباءته، وقال: "أرغب بشراء البساط بهذه".
*****
نصبَ بضاعته على مصطبة أمام دُككِ الحَلّاقين. لاحقًا، أخبره الفخّاريّ أنَّ المصطبة الحجريّة، التي أحرقتها الشّمس، كانت يومًا ركن قِصاص في زمن بعيد، ثمّ غدت موطئًا للتجّار يفرشون عليها بضائعهم.
كان أوّل أمر وجّهه عدنان للكائن الأحمر الذي استعبده أن يعلَق في الهواء، فأطاعه — على الأقلّ لخمس دقائق — ثمّ ملَّ، وحلّق بين المباني حتّى غاب عن بصره. ولسوء حظّه، كان أوّل زبون في حياته قد جاء في الوقت الذي غاب فيه البساط. لكنّ البساط، كأيِّ بساطٍ طائر، يعودُ إلى صاحبه كالطفلٍ إذا غاب عن أهله.
يسرحُ عدنان طويلًا في تفاصيل الغابات المكثّفة المتّصلة بخطوطٍ تُعجز الرّائي عن وصلها، إذ لم يكن لديه ما يفعله سوى التحديق في بضاعته. فقد وعد نفسه ألّا يُطيع إلحاح اللّهو حتّى يرفعَ الفقر عن أهله. كان الشهرُ الأوّل صعبًا عليه كتاج ناشئ، غير أنّه أحسَّ بالتغيير بعد شهور عدّة في بيته؛ فلم تعد سحابة الحزن تغشى وجهَ أمّه، ولم تعد تزور قبرَ والده، إذ كانت تنام إلى جواره ليلَ نهار وهي تنحب باكية. أمّا الآن فقد امتلأت وجنتاها بالصّحة، وباتت قانعةً بقدرها، يَشي وجهُها المُبتسم بالفخر والسكينة.
بعد القتال الذي جرى بين حاتم وأبو السِّهام، عاونَ حاتم أصدقاءه على دفن الصعلوك تحت شجرة الأثل. وفي الأيام التي تلت ذلك، ألمّت بحاتم حُمّى شديدة بسبب الجرح الذي أحدثهُ أبو السِّهام. أخذ الجرح يتلوّن ويتحوّل حتّى تعفّن. وفي كلّ مكان يضطجع فيه يشتعل حرارة: الفراش، والأرض المائلة، والعتبة. وضعه عدنان في دلوِ الحمّام البارد، فما لبثَ أن تصاعد من الماء بخارٌ كثيف. وفي أحد الأيام، قبل أن يذهب لشراء البساط، أفاق عدنان ليجد والدهُ جثّة هامدة بين يدي أمّه، فدفنوهُ جوارَ قبر سُليط.
في كلّ مرّة يذهب البساط ويعود، تتبدّل رائحته، تارة كريهة كجلود الحيوانات، وتارة نقيّة كهواء فيافي مُهرَقان. وعندما يستأجرهُ زبون لا يعرف الاغتسال، يكون على عدنان أن يفركه بالماء والصابون قبل نصبه من جديد فوق المصطبة.
وفي أحد الأيام، وكان عدنان قد طالَ غاديًا كعصاة، والشتاءُ في أوجه، عاد البساط من رحلاته اليومية، ولم يهبط سريعًا كالطفل المتحمّس، بل بدا كأنّه شاخ، أو كمن سمع فؤادُه كلامًا غليظ، فهبطَ ببطء شجي وحطَّ بمحاذاة المصطبة. رفعهُ عدنانُ ليُجهّزه، فإذا به يجهشُ باكيًا في ما يُشبه الانفجار.
كان الليل يدنو، والناس يقتصرون المجيء إلى السوق لشراء الجُبَب. وهذه المرّة، لم يحمل البساط معه رائحة حيوان ولا أعشاب نقيّة، بل حملَ رائحة والده.

تعليقات
إرسال تعليق