المشاركات

عرض المشاركات من 2024

قصة قصيرة: أنين الكلب.

صورة
  لم أُصادف في حياتي قلبًا أرق من قلب جدتي، حتّى أنّي لأعجب كيف صمد كل هذا العمر دون   ميعه أو تقطّع حِباله. لقد عاشت في أشدّ بيئة قساوة التي هيَ أرضنا، ومع ذلك لم يختلط عقلها ولا عقول سُكّان هذا القفر، كنقص عقول الشّعوب المعزولة مثلًا وعدوانها. أخبرتني جدّتي عن قصّة أثّرت فيّ، وهيَ عن كلب وجد سبيله إلى حارتنا. عيش آباءنا في القفر لم يجعلنا مجانين، ولكن جعل الكثير مِنّا قُساة على الحيوانات. أذكر أنّي رأيت شبابًا ربطوا أطراف قِطٍ بُنّي بسيّارتين، لا أنسى استغاثتها الطّفوليّة، وتعجّبت كيف أنّها تمدّدت طويلًا في الهواء، حتّى غدت بطول سيّارتين، ثمّ انفجرت دمائها من بطنها.     أمّا ذلك الكلب فأخوالي لم يُعذّبوه، ولكن لعبوا معه المُطاردة. وبطبيعة الحال خشية جدّتي أن يؤذي الكلب أبناءها، فنهرته بصوت عالٍ. قالت لي: "حنى الكلب رأسه، وهمهم في ما يشبه البكاء، ثمّ اختفى للأبد". قطّع هذا الكلب قلبها، وأحزنها نهرها له، إلى درجة أنّها طافت الحارة ومعها قطعة لحم لمُراضاته. وقع هذا الأمر قبل أكثر من أربعون عامًا، والآن جدّتي على مشارف التّسعين. حكت لي هذه القصّة وكأنّها حدثت الب...

قصّة قصيرة: تُخمة

صورة
  في السّاعة الحاديَ عشر تناوَل فيصل بيضتين مقليّتين، ولم يشبع. فعزى جوعه إلى أنّ البيض أصلاً لا يُشبع. بعد ساعة عليهِ أن يكون قد دخل مقر عمله. ففي عصبيّة أسرع إلى البّقالة واشترى تونة. وفي المطبخ أكل أكثر من نصف العلبة. شعرَ بالغثيان. وشعر بألم الجوع كما لو أنّ الأكل يزيده جوعاً. في قلق يائس قال أنّ التّونة لأصحاب الأكل الصّحي. وأنّه سيأكل وجبة برغر في طريقه. وقبل بلوغه مقر العمل وقف ليشتري برغر لحم كبيرة. أكلها بنهم في السّيّارة. هذه المرّة كان يعي أنّ الطّعام الذي ينزل إلى معِدته لا يشعر به بتاتاً. كأنّه يأكل الهواء. فتح أنوار المقهى وشرعَ يُنظّف طاولة البيلياردو والتّنس وطفّايات السّجائر، وأعدّ قهوة لزبون، ثمّ شغّل المُكيّفات والرّذاذ بعد أن جلس زبائن في الشّرفة الخارجيّة. فعل كلّ ذلك وهو يأنّ بصوتٍ كالهمس من ألم الجوع. يبيع المقهى فطائر الدّجاج، اشترى واحدة لنفسه وأكلها دون أمل. حاسب زبون ثمّ جلس وشرب ماء، ثمّ قام لرجلين يُريدان لعب البيلياردو. يرغبان المُكاسرة في السّعر، وبصوت أعلى من اللّازم أجابهما: - لا أستطيع! فنفخا الهواء وخرجا من المقهى. رجع إلى كرسيّه وشرب ماء. ن...

قصّة قصيرة: تقمُّص.

صورة
  لا يُفوّت بدر المُباريات. تعوّد على الوجوه في المقاهي التي يذهب إليها. وفي كلّ مقهى يذهب إليها يُغيّر الفريق الذي يُشجّعه. وكذلك يُغيّر من طبعهِ وشخصيّته. فإذا شجّع الهلال يرتدي زيّ الفريق ويتحدّث بلهجة نجديّة. وإذا شجّع الاتّحاد تتحوّل لهجته وكذلك لُغة جسده إلى الحجازية، وإذا شجّع التّعاون يمدّ الحروف كاللّهجة القصيميّة.     والسّبب الذي جعله يفعل ذلك هو أنّه يُريد التّجديد في حياته، فشخصيّة واحدة ولهجة واحدة أمر مُمل إلى درجة كبيرة.   جاءت هذه الفكرة إلى بدر أوّل مرّة كوحيٍ فباح بها إلى صديقه، لكن لم يكن مقتنع بذلك تمام الاقتناع، وبعد شهر من التّجربة في عِدّة مقاهي شعر بالتّغيّر في نظامه الرّوتيني. وبعد غياب طويل، تواعدا هوَ وصديقه أن يتقابلا في مقهى لمُشاهدة ديربي جدّة، فطلب صديقه إبريق شاهي ونعناع وانتظر قدوم بدر. وتفاجأَ أن رأى بدر يدخل بقامة طويلة وبجسم نحيل، صابغ نصف وجهه بالأخضر، والنّصف الآخر بالأبيض، حاملاً دمية تمساح، مُعلناً تشجيعه للأهلي.   فسأله: - كيف نحلت وغيّرت هيكلك؟   - مخ الإنسان سِر. وظلّ يتغيّر حتّى اعتاد صديقه عليه. إلّا...