قصّة قصيرة: تُخمة
في السّاعة الحاديَ عشر تناوَل فيصل بيضتين مقليّتين، ولم يشبع. فعزى
جوعه إلى أنّ البيض أصلاً لا يُشبع. بعد ساعة عليهِ أن يكون قد دخل مقر عمله. ففي
عصبيّة أسرع إلى البّقالة واشترى تونة. وفي المطبخ أكل أكثر من نصف العلبة. شعرَ
بالغثيان. وشعر بألم الجوع كما لو أنّ الأكل يزيده جوعاً.
في قلق يائس قال أنّ التّونة لأصحاب الأكل الصّحي. وأنّه سيأكل وجبة
برغر في طريقه. وقبل بلوغه مقر العمل وقف ليشتري برغر لحم كبيرة. أكلها بنهم في
السّيّارة. هذه المرّة كان يعي أنّ الطّعام الذي ينزل إلى معِدته لا يشعر به
بتاتاً. كأنّه يأكل الهواء.
فتح أنوار المقهى وشرعَ يُنظّف طاولة البيلياردو والتّنس وطفّايات
السّجائر، وأعدّ قهوة لزبون، ثمّ شغّل المُكيّفات والرّذاذ بعد أن جلس زبائن في
الشّرفة الخارجيّة. فعل كلّ ذلك وهو يأنّ بصوتٍ كالهمس من ألم الجوع. يبيع المقهى
فطائر الدّجاج، اشترى واحدة لنفسه وأكلها دون أمل. حاسب زبون ثمّ جلس وشرب ماء،
ثمّ قام لرجلين يُريدان لعب البيلياردو. يرغبان المُكاسرة في السّعر، وبصوت أعلى
من اللّازم أجابهما:
- لا أستطيع!
فنفخا الهواء وخرجا من المقهى. رجع إلى كرسيّه وشرب ماء. نهض لزبون آخر وأعدّ له
القهوة بعصبيّة، حتّى أنّ الزّبون نبّهه، فابتسم ويده تصطدم بآنيّة زُجاجيّة.
وبعد ستّة ساعات رجع إلى الشقة ومعه وجبة ستيك لحم. فرش السّفرة وقبل
أن يأكل أغمض عينيه ليُذكّر نفسه كيف يستجيب للأكل، فربّما نسيَت أعضاءه مهامها.
تفكّر عمليّة نزول الأكل من الفم إلى المعدة. وخطر له أنّ الطّعام الذي يأكله
ربّما غيّر مساره إلى ظهره. داهمه رعب فوَضع الطّعام الذي اشتراه في الثّلاجة.
وقبل أن ينام فتح خزّانة الملابس ليرتدي قميص خفيف، وتفاجأَ بالأكل
الذي أكله تحت ثيابه. وجدَ البيض مُقشّر مأكول، والتّونة مُنتّفة، ولحم البرغر
مُختلط بالخبز، وفطيرة الدّجاج التي في المقهى. تسمّر لزمن طويل، ثمّ أغلق
الخزّانه وهوَ لا يزال في تسمّره. لا يُريد مشكلة غريبة أن تُعكّر صفو حياته.
كان إذا اشتكى من شيء يبحث عنه في الإنترنت، ولكن هذه الشّكوى غير
منطقيّة، ومن أجل أن يُلهّي عقله استلقى على السّرير وتصفّح جوّاله حتّى غلبه
النّعاس. وعندما أفاق في الصّباح كانت الغرفة تدور من شدّة الجوع. أكل السّتيك
الذي احتفظه. ثمّ ذهب إلى المقهى.
جلسَ في الكرسي دون أن يُنظّف. وفي ضوء الشّمس الخافت بدا له أنّه رأى
توأم جالستين في إحدى الموائد وراء طاولة البيلياردو. كأنّهما شبحين في ضوء الشّمس
الضّبابي. ربّما دخلتا وهو يتألّم. يُراقبانه دون أن يتحدّثا. ثمّ تقدّمت إحداهنّ
ووقفت أمامه قائلة:
- أنا التي سحرتك.
ثمّ أشارت إلى اختها في الخلف وتابعت:
- واختي تُعالِجك.
انصرفت السّاحرة خارج المقهى. سيتعجّب لاحقًا. مضى إلى الأخت الأخرى.
كانت تُشبهها حتّى في الملبس. قال لها:
- أريحيني من السّحر.
- ولكن بمقابل.
- وما هوَ المُقابل؟
- مئة ألف.
- لا أستطيع.
- بل تستطيع أن تقرضها.
- سأذهب الآن.
ذهب إلى البنك وقرض المئة ألف، وبعد أسبوع عاد إلى المقهى فوجد
التّوأم وأعطاهما المال. فنهضتا وخرجتا بالخطوات نفسها دون أن يقولا شيء.
لم يتغيّر شيء. ولم يقلق فيما إذا خدعتاه لتعبه. دخل شقّته كأنّه قطع
صحراء. عاد سريعاً إلى السّرير واستلقى. وفجأة امتلأت معدته بالبيضتين المقليّتين
التي أكلهما قبل أسبوع. أسرع إلى الخزّانه ووجد البيضتين غير موجودتين. ركض في
الشّقة فرِحاً والنّشاط يعود. وبعد دقائق جاورت التّونة البيضتين في المعدة. شرب
الماء ليهضمهما. ولكن طُرِح أرضاً لمّا جاورهما اللّحم. انتفخ بطنه. وضاق نفَسه.
ونزل عرقه. وازدحمت المعدة بعد قليل بالسّتيك وبيضة أُخرى والفطائر. جميع الأطعمة
التي أكلها هذا الأسبوع عادت مرّةً واحدة. لم يستطع الشّعور بالخوف من شدّة
التّخمة. وعندما يُحاول التّنفّس يمنعه بطنه الصّلب. وبعد دقائق غلبه نُعاس دُهني
ومات.

تعليقات
إرسال تعليق