قصة قصيرة: الواحة.
الهواء خانق وكئيب. الشّتاء البارد الذي هطل فيه المطر بلا هوادة، وتفتّقت فيه الأرض بالأزهار، قد ولّى، وجفت سيوله، وذبلت زهوره، وعادت الشّمس حامية كما عرفوها أهل صحراء مملكة مُهرقان. ستظل تسطع بقوّتها ثمانية شهور طويلة، تُنسيهم سريعًا الهواء العليل، والبِرك الهادئة.
صباح اليوم، هطل مطر صيفي عابر، توقّف سريعًا كما بدأ، لم يترك وراءه سوى هواء ثقيل حار.
خرج من القرية رجل طويل القامة، على خصره سيف مُعلّق، يتطلّع إلى الأمام في هِمّة وعزم. لقد خرج الآن من آخر محطّة صالحة للعيش، فمن يراهُ الآن، ويرى الاتّجاه الذي يقصده، سيقول أنّه مجنون.
ما أمامه شيء سوى الكثبان الرّمليّة التي ترتفع وتهبط إلى غير نهاية. لم يذهب أحد في هذا الاتّجاه في الصّيف، وإن ذهب فسيسير قليلًا ويعود أدراجه. جميعهم يعرفون المفقودين الذين سلكوا هذا الطّريق الموحش ولم يعودوا.
لكن الرّجل حمل أمتعته وانطلق الآن بعينين واثِقتين، مسحورتين، هائمتين، مُغرمتين. نعم، فهذا الرّجل الطّويل الذي يُدعى هيثم، هامَ بامرأة تسكن في غياهب تلك الرّمال الذّهبيّة الحارّة.
لقد
مرّ أسبوعًا
منذ أن رآها.
يومها
كان مُنهمك في عمله، يُزيّن وجه رجل من
كبار القوم قد طلبه في وقت مُتأخّر من
اللّيل. بعد
أن حلَق وجهه واستلمَ أُجرته، خرج مُتوجّه
صوب منزله.
في
فناء كبير القوم، كانت أوراق أشجار السِّدر
الخضراء تُلوّح للسّماء الفاحمة.
فكّر
في عيشته الفقيرة في القرية، وتعجّب من
الفروق بينه وبين الأغنياء رُغم قُرب
المسافة.
وهو
يخطو بتأمّل سمع صوت امرأة آتٍ من الظّلام
يقول: "أنعم
صباحًا، من أين أقبلت، وإلى أين ذاهب؟".
"جئت
من دار كبير القوم، وذاهب إلى داري".
ثمّ
انسلّت من الأشجار إلى نور القمر.
كانت
ترتدي ثوبًا أحمرًا.
غنّت
دون إذن كلمات لا يفهمها، ولكنّها رنّانة،
وضحكت لأنّه ارتبك وانفتن، وتغنّجت وهيَ
تُشير بيدها أن يدنو.
أخبرته
أنّها تسكن واحة نخيل معزولة فيها أشجار
وآبار. بعد
هذا اللّقاء،
يذكر في كلّ خطوة خطاها إلى منزله، وفي
كلّ دقيقة من أيّام الأسبوع، شعرها الذي
كان أشدّ حِلكةً من سماء تلك اللّيلة،
وثغرها الواسع وأسنانها البرّاقة،
وملامحها العذبة، ورنين ضحكتها، ولحن
نبرتها.
وقع
في غرامها منذ ذلك اللّقاء، رُغم معرفة
غماميّة بعيدة أنّها ليست إنسان، بل
سعلاة.
اختنق من الحرّ بعد ساعات من انطلاقه. ثقُل عليه متاعه الذي يحمله، مياه، طعام، ملابس، أسوار، أقراط، سيفين، وخنجر. ولكن الغاية التي يسعى إليها هيَ ما تهم. كلّما ابتعد قلّ عدد العصافير المُغرّدة، حتّى يوم توقّفت عن الغناء تمامًا أدرك خواء الطّبيعة التي هوَ فيها. ﻻ يسمع شيء سوى صوت أنفاسه، ولا يرى لونًا غير الأصفر والأزرق. صار يُكلّم نفسه بين الفينة والأخرى، يُهمهم برتابة وتناغم، يستحضر شكل محبوبته، وصوتها الغِنائي، وهو سكران بخيالها. تراءى له تحت سراب الشّمس قافية من الجِمال كأنّها في فضاء بين الأرض والسّماء. من أين له أن يُنادي من يطير.
التفتَ
حين سمع فجأةً وقع أقدام خلفه، فبرز شيخ
طاعن في السن يقول:
"أتهجر
أبنائك وزوجك من أجلها يا هيثم؟".
"لقد
سحرتني بحُسنها".
"سحرتك
سحرًا حقيقيًّا لتصير طعامًا لها
ولصِغارها".
قهقهَ
هيثم ساخرًا دون أن يُبطئ سيره.
تابع
الشّيخ:
"أنت
تُدرك هذا.
جميعهم
يُدركون، لكنّهم مُغيّبون".
باعد
هيثم بين خطواته:
"أرعى
أبنائي يا جلال حتّى أرجع.
سألتقي
بأهلها وأطلب يدها للزّواج".
"توقّف
يا هيثم.
أنا
شيخ هرم لا أقوى على مُواكبتك في السّير.
قِف
احترامًا لأبيك".
"لستَ
أبي".
"كنتُ
أوّل ابن لأبيك، أعالني وزوّجني وأكرمني
عندما كنتُ بلا أهل، وحين مات لم أُغادر
قبره شهرًا.
أذكرك
يا هيثم حين خرجت إلى الدّنيا، كنتُ بينكم
عندما نطقت أوّل مرّة، وعندما خطوتَ أوّل
مرّة، وعندما كبرتَ وسافرت طلبًا للمال،
وعندما رجعت وأحببت ابنة عمّك وتزوّجتها.
أنتَ
بمنزلة ابني وسأبكيك حين تأكلكَ الوحوش".
توقّف
هيثم واستدار قائلًا:
"من
الأساطير أنّ السّعلاة لا تأكل، بل تتزوّج
من تسحره بجمالها".
استراح
الشّيخ من المشي، وقال وهو يلهث من التّعب:
"وهل
ترضى أن تتزوّج منهن؟".
"لست
أرضى. ما
برهانك أنّها وحش؟".
دنا
الشّيخ منه خطوتين وقال:
"لم
أخشى حين أخبرتني عنها.
قلتُ
أنّه في العمر الذي يتزوّجون فيه الرّجال
ثانية وثالثة.
لكن
بعدها ذكرتَ أنّها تسكن في رمال الجنوب،
في واحة نخيل لم يسمع بها أحد، أتعرف كم
قتلت تلك الواحة رجالًا قبلك؟".
قال
هيثم: "لقد
تاهوا".
"أكانت
تُغنّي لك؟ سمعت رجالًا يقولون أنّهم
رأوا امرأة فاتنة تُغنّي لهم".
"غنّت
لي.. ولكن
هذا لا..".
"أتعرف
ماذا حدث لهم؟ حملوا أمتعتهم وغادروا غير
عاقلين".
سرب من الطّيور حلّق فوقهم. تأمّلها هيثم وهي تقطع السّماء حتّى ابتعدت. فجأةً، عصفت ريح.
قال
هيثم: "لو
أنّها لن تُمطر سأموت عطشًا.
لكنّنا
في أوّل الصّيف.
أخبرني
أبي كيف تتبدّل الدّنيا قبل المطر، تغلق
الزّهور أوراقها، وتضطرب الطّيور، وتتغيّر
رائحة التّراب والهواء.
لقد
صدقتَ بقولك أنّي بمنزلة ابنك، لذلك
سأُقبّل رأسك ثمّ سأستأنفَ طريقي، وإن
تهت لن أموت لأنّها ستُمطِر".
لم
يقل الشّيخ جلال شيء، بدلًا من هذا مشى
قاطعًا مسافة عشرين قدم، وصعد كثيبًا ثمّ
جلس مُستريحًا.
مرّت
لحظة وهو يُفكّر قبل أن يقول:
"ستحلق
لي شعري، وتُزيّن لحيتي، ثمّ تُقبّل رأسي
وتذهب".
"لن
أُجادلك في هذا".
حين
شرعَ يُمرّر النّصل بلطف فوق لحيته قال:
"رغم
أنّك عجوز هرم إلّا أنّك في عافية يحسدها
الجميع، أبي كان يتعجّب منها.
موقن
أنّي سأراك مرّة أخرى.
ولكن
إن طرأَ شيء، كأن أضل الطريق أو تعترضني
الذّئاب أو تدوسني أقدام عمالقة الجِن،
أخبر ليلى أنّي أجيز لها الزّواج من
غيري".
قال
الشّيخ: "لن
يطول هذا.
سأنقل
حديثك لها حين أعود".
وأفلتَ
ضحكة قصيرة.
ثمّ
سأله: "وماذا
عن ديونك؟".
أجاب
هيثم وهو يميل برأسه:
"عندما
أعود سأدفعها".
تغيّر
لون وجهه، وبطُأت حركة يديه:
"لا
تُنهك نفسك في
ذلك.
سأرجع".
قال
الشّيخ بنبرة دافئة:
"آملُ
هذا".
"وإن
لم أرجع، فلتُسدّد أختي
الدّين عنّي.
فهي
تعمل في التّجارة".
ابتسم
الشّيخ.
قال
هيثم وهو يقصّ خصلةً بيضاء ناعمة من شعره:
"أعلمُ
ما يدور في خلدك".
"أختك
عشقت التّجارة منذ نعومة أظفارها".
"ألم
أكن أعشقها أنا أيضًا؟".
أجاب
الشّيخ وهو
يبتسم بحزن:
"أنتَ
أحببت مهنة والدك، وهي عشقت تجارة أخوالها".
زيّن
هيثم لحيته البيضاء، وقصّر شعره.
ثمّ
أعاد النّصل والمقصّ إلى حقيبته.
قال
الشّيخ وهو يهمّ بالقيام:
"لو
كنتُ أصغر سنًا لقاتلتك.
لن
أُكثر الحديث لأنّك مُغيّب.
لكنّي
سأرجع وأحثّ أبو سالم وأخوانه
على اللّحاق بك".
علّق
هيثم متاعه
على ظهره وقال:
"لن
يعرفوا مكاني".
ودنا
من الشّيخ وقبّل رأسه.
ثمّ
قال: "مع
السّلامة".
وأعطاهُ
ظهره.
حدّق
فيه الشّيخ وهو يبتعد.
يُراقبُ
حركة عظام ظهره، وخُطاه المُتأنّية،
ومُؤخّرة رأسه الغير مُبالية.
قوّس
فمه وعقد حاجبيه.
غمرته
رحمة أبويّة مُباغته وهو يلتهم هيثم
بعينيه التهامًا.
ابيضّت
الدّنيا إذ غشت الدّموع رؤيته.
وكأنّ
هيثم أحسّ بها توقّف قليلًا، لكنّه لم
يلتفت،
ثم استأنف
رحلته.
قطع
مسافة طويلة بين الكثبان الذّهبيّة ولا
زالَ الشّيخ يُراقب، وها هوَ يمتزج هيثم
بوهج السّراب، يسبح فيه ويتموّج، حتّى
غرق فيه.
قال
الشّيخ لنفسه:
"مع
السّلامة يا بُني".

تعليقات
إرسال تعليق