قصة قصيرة: ونلقاكم في موعد آخر.

 


ركن صالح سيارته في موقف بعيد عن بوّابة الكُليّة المُخصّصة للطلّاب. وأسرع في طريقه وهو يلوم نفسه على ضياع الوقت، والأهم على ضياع حياته، فهو يبلغ من العمر ثلاثون عام ولايزال طالب. مرّوا منه أجيال رآهم يُصبحون رِجال أمامه. جاؤوا صغاراً لم تخط شواربهم وذهبوا بالغين بعوارض. كان يستحق هذا اللّوم وذلك لإهمالهِ وغيابه عن الاختبارات الشّهريّة التي تُعد هامة، ربّما أهم من الاختبارات النّهائيّة.

ولمّا بلغ القاعة الباردة وجد المُحاضر يُودّع الطّلّاب، فخرجوا جميعهم وهوَ واقف مشدوه. وحين خلت القاعة إلّا من المُعلّم أقبل عليهِ صالح ليسأله فيما إذا اُحتُسِب تأخيره، نهض المُعلّم وقال قبل أن يُغادر: "إلى لِقاء آخر يا صالح".

ركب صالح سيّارته وفي طريقهِ إلى بيته، في مُحافظة أخرى تبعد نصف ساعة، كانت جميع البرامج في إذاعة الرّاديو تُودّعه أيضاً، فما أن يقع على برنامج عن مواضيع مُحبّبه إليه مثل كُرة القدم أو ثُنائيّة مُسليّة (بين رجل وامرأة عادة) يجد المُذيع أو المُذيعة تقول مثلاً: "نلقاكم الأسبوع القادم، والآن نترككم مع هذه الأغنية لخالد عبدالرحمن". فيتبرّم صالح.

وفي المنزل فعل مثل دأبه كلّ يوم. يُجهّز شاياً بالحليب ويجلس أمام التّيلفزيون. ما حدث مع المُعلّم وبرامج الرّاديو لم يُجننه، ولكن استغرب أنّ الأمر حدث كذلك في قنوات التّيلفزيون، ففي كلّ مرّة يُغيّر قناة يجد البرنامج أو الفيلم أو المسلسل ينتهي. يجد مُذيعة تشبك أصابع يديها تُحدّق إلى الكاميرا بابتسامة وراءها إرهاق تُودّع المُشاهِدين، أو مُذيع كورة قدم يوعِد بعودة البرنامج في الإسبوع القادم، أو فيلم تنزل شارة النهاية في خلفيّة سوداء. 

ترك الرّيموت ونشطَ له جسده في ذهول. فكّر ملياً مُحاولاً زحزحة هذه السّخافة إلى عالم الأوهام. تنهّد وجهّز الكنبة واستلقى مُغمضاً عينيه لا يُفكّر بشيء. تذكّر أنّ اللّيلة ميعاد مُباراة الإتّحاد والنّصر، وبعدها مباراة قويّة في دوري أبطال أوربّا. ولكن كيف سيُشاهد إذا كلّ شيء في الكون أصبح فجأةً يُودّعه؟ ضحك رُغماً عنه.

سمع هزيج أخوته واخواته ووالديه فعاد يفيق من نوم داهمه. لمّا جلسَ وسألهم عن السّاعة والغداء نهضوا جميعهم، وأشاحوا وجوههم إلى الباب وخرجوا منه، وسمع والدته تقول قبل أن تخرج أنّ غداءه في المطبخ.

  قفز من الكنبة وصعد إلى العليّة ووجدهم مُغلِقين أبواب غُرفهم. فتح باب غرفة اخته. وجدها جالسة على كُرسي تقرأ كتاب في ضوء خافت. جلس على طرف السّرير أمامها. انتظرها ترفع رأسها وتسأل عن الخطب. لكن ظلّت تقرأ ورأسها إلى الأسفل ولا يرَ وجهها بوضوح، فقد كان مُظلم. ثمّ أنّه تساءل ضاحكاً: "مالكم لا تُطيقوني فجأة اليوم".

صار الأمر يقيناً حين لم تُجب عليه. ردّد اسمها مرّات حتّى يئس وخرج من غُرفتها ضجِراً. الحياة ستكون مُملّة إن أنكرَ الجميع وجوده. إن لم تردّ عليهِ أمّه فسيُجنّ. لمّا دخل غرفتها لم يجدها فنزل إلى الدّيوانيّة ووجدها تُشاهد التّيلفزيون. وقف أمامها وسأل بسخريّة: "وأنتِ لن تتحدّثِ معي أيضا؟". عينيها ذات الأهداب الطّويلة لا تتعب وهيَ تُحدّق في الشّاشة، ولا تنعطف لتُقابل عينيه.

خرج إلى الفناءِ وجلس مُتربّعاً تحت القمر وتساءل بجدّيّة إن كان قد مات. إمّا الأمر كذلك وهذه هيَ الدّنيا بعد الممات أو أنّهم يمزحون معه مزحة غريبة.

أخذ الأمر كنوع من الكوميديا بدل من أن يأخذه الأمر إلى سبيل لا نور فيه. فدخل على أخوه ياسر يسبّه ويلعنه، ودخل على أحمد وجلس أمامه مُباشرةً يُحدّق في عينيه كي يُضحِكه مثلما كانا يفعلان. فضحك هوَ من كلّ قلبه من تعبير أخوه الصّارم. ويسألهما عن ميعاد انتهاء المقلب. ولكن ياسر لا يرد وأحمد لا يضحك. خطرَ له أن ينتظر المُباراة فهم جميعهم سيُشاهِدونها وسيرى إن كانت المُباراة ستنتهي وهو معهم.

لمّا اقتربت المُباراة وجدهم جميعاً أمام التّيلفزيون. جلس بينهم وهو يبتسم بمكر. صفّر الحكم مُعلناً بداية المُباراة. ثمّ صفّر مرّة أخرى مُعلناً نهاية المُباراة. ارتجف جسم صالح من الضّحك، وقال بالكاد: "ما هذه السّخافات؟".

ثمّ انتظر دخول أبوه الغرفة فسرق منه ثلاثة آلاف ريال وبطاقة البنك أمام عينيه. لم يعره أبوه أيّ اهتمام. وفي اليوم التّالي توقّع، لأنّه ميّت، أن ينتبه أبوه إلى فقدان المال، وسيغضب إن وجده مع أخوه أحمد، وذلك لأنّ أحمد يسرق ليشتري دُخّان. وضع المال والصّرافة في غرفة أحمد وانتظر في الممر. وأدهشه دخول أبوه غرفة أخيه واستعاد المال دون أن يُكلّم أحمد المُضطجع على سريره.

وبعد أيّام ملّ من حياته مللاً، حتّى الكلّية تُغلِق أبوابها قبل بلوغ ميدانها، ولا يُمكنه تصفّح الانترنت. ولمّا بلغ الضّجر أشدّه حلِم أنّه في الصّحراء والرّياح تحملُ الأتربة وترقصُ معها في الجو رقصة غليظة وثقيلة. الزّمن نهار ولكن العاصفة جعلت منه ليلاً كالضّباب. يدفع الرّياح وهو يسير. والصفير أصمّ أُذنيه من شدّته، والتراب حوّل لون شعره، وأشعرته كأنّ يداً تلتصق بوجهه. استبان النّهار قليلاً وظهر خمستهم موّلّين ظهورهم. ملأ جشاً مُفجعاً أمعاءه واعتصرَ قلبه. ثمّ أحاطته العاصفة وهوى على بطنه. وتجمّع التراب فوقه. وبعد سنين تراءى له أنّ أطفالاً يلعبون على الكثيب فوقه ويتزحلقون. أطفال مُتعجّبين يرون الكثبان لأوّل مرّة في حياتهم. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قصة مترجمة: المحبوبة (للفنّانة السّرياليّة ليونورا كارينجتون).

قصة قصيرة: الواحة.

قصة قصيرة: أحلام منسيّة