قصة قصيرة: وسواس.
اشترت اختي قِط فلم أعُد أفتح باب غرفتي.
على أنّ القِط خجول في نزله الجديد، يتوارى عن الأنظار، فنجده بين
المغاسل أو وراء الثّلاجة. لم أعتد على مخلوقات يسكنون معنا غير البشر. فأحياناً
أدخل المطبخ آخر اللّيل وأعدّ شايًا وأنا أُدندن، فألمح بطرف عيني شيئًا أبيض
يتحرّك، عندها يُصيبني رعب شديد. وليس كأيّ رعب. عرفتُ حينها لمَ شعرُ الشّخوص في
الرّسوم المُتحرّكة ينتصب. رعب من النّوع الذي عندما تجلس في البيت وحدك وتُريد
الاتفات إلى الوراء فتتخيّل أن ترى جانًا. ولكن الرّعب الذي شعرت به، أكثر من
مرّة، كأنّك ترى الجان فعلاً.
نزلتُ إلى الصّالة بعد أيام ووجدته، ولأوّل مرّة، مستلقٍ على جنبه،
دون أن يجفلَ منّي. رقّ قلبي له. اختي فرحت به، ووالديّ كذلك، رغم أنّهما غالبًا
يشتكيا من شعره على ملابسِهما. ولا أعلم لمَ رقّ قلبي له، ربّما بسبب شدّة خجله
وسكونه. تُطعمه اختي مرّتين في اليوم. يأكل ثمّ ينزوي تحت كنبة الصّالة، وننسى
وجوده بقيّة اليوم. ومرّات قليلة، لحظةَ تناولنا الغداء، نكون جالسين بشكل دائري
لا ندري عن مُحيطنا، ونتفاجئ بالقط يُخرِج رأسه بيننا يُحدّق بالأرز والدّجاج. فنجفل
ونضحك. ثمّ تأخذه اختي إلى غرفتها وتُغلق عليه. هكذا يظلّ مُنعزلًا إلّا إذا
أسكرته رائحة الأطعِمة.
لكن في أحد الأيّام، وبعد مُنتصف اللّيل، كُنّا جميعًا نائمين. أفقت
بسبب جلبة في المنزل. ولمّا فتحتُ باب غرفتي وجدت القِط يركض في الممرّ المُظلم
بسرعة جنونيّة كأنّه يلحق شيء. وانعطف إلى غرفة الخزّانة. لسببٍ ما كانت غرفة
البطّانيّات كما ندعوها مفتوحة. فهيَ لا تُفتح إلّا إذا أمرحوا عندنا الضيوف.
أنرتُ الغرفة وأنا أتثاوَب. ورغم الإنارة فالغرفة الصّغيرة بدت مُصفرّة. بطّانيّات
مُرتّبة فوق بعض على رفّ. والقِطّ يُحدّق إلى أعلى. ولمّا رفعتُ بصري وجدتُ سحليّة
كبيرة. حملت القِط ونزلتُ به الدّرج وأنا أسبّ، وقبل أن أخرج إلى الحوش وجدت التّيلفزيون
مقلوبًا في الصّالة، وزجاج المائدة مُحطّم، ووسائد الكنبة مقضومة. أخرجت المخلوق،
وعدّلتُ التّيلفزيون، ورتّبت الوسائد، وكنست الزّجاج.
بعد ذهاب خجله شعرت بتواجده في المنزل، أشاهده كلّ الأوقات، مُرتخٍ أو
نشيط، نائم أو يلعق نفسه بلِسانه. واعتدتُ عليه فعرفتُ لُغته وشخصيّته. ومرّت
أيّاماً كثيرة، وفي إحداها كنتُ نازل من الدّرج حين تجمّدتُ فجأة. لقد كبُرَ رأسه
وطالت قوائمه وانتفخ بطنه. وبعد لحظة قرّرت أن فروهُ لعب دوراً في تغيُّر حجمه.
لكن في اليوم التّالي وفي نفس المكان توقّفت. وهذه المرّة لأنّ قوائمه صغُرت
فأصبحتُ لا أرَ ساقه ونحُل وجهه وبطنه. مرّ أمامي وهو يرمُقني بحيرة فبدى كأنّه
مخلوق آخر. سألتُ أهلي إن لاحظوا شيئًا فنفوا. نظروا مرّتين إليه وقالوا أنّي
أُوسوِس.
بعدها غدى القِط، وبشكل مُريب، يُراقبني أينما أذهب. ولمّا التفِتُ إليهِ
يتصنّع أنّه يأكل. عندما أنحني لألعبَ معه يستلقي بدلال ولكن عينيه الذّكيّتين
الزّرقاوين تُبصرني كأنّها عيني بشر، أو مخلوق آخر. كانت هذه أفكاري وصارم في
اعتقادي أنّها وسوسة، بل أفكار أقولها لنفسي لأضيّع الوقت. منذ ذلك الحين بدأ
يرتابني. عندما تحملهُ اختي يلتفتُ إليّ وينقبض وجهه فيُصبح أشدّ براءة.
مرّات لمّا يجري بحماس وراء حشرة،
أقول في نفسي أنّه يتصنّع دور قِط. حتّى عندما أُشاهده نائم أقول أنّه يتصنّع
النّوم كقِط. أفكار أقولها بيني وبين نفسي. يشرب الماء من الكوب الورقي كالقِط. المخلوق
الذي يدّعي أنّه قِط ارتبطت اختي فيه ارتباطاً عاطفيًا. لم تمل منه بعد شهور. كلّ
يوم تؤكّله وتُشرّبه. يمتلئ رأسها بمعلومات عن القِطط من صديقاتها. تتصّفح كلّ يوم
عن مواضيع تخصّ القِطط. تنضمّ إلى قروبات قِطط في التيليغرام. تُصادِق بنات
سيظلّون أصدقاءها بعد سنين طويلة، سيدرُسنّ معاً ويحضرنّ أعراس بعض. كلّ هذا بسبب
ذلك المخلوق الكاذب، الذي بدأ يفرّ منّي لحظةَ أن كشفته. لمَ يفرّ منّي فجأةً؟ لم
اضربه، ولن يكن ليفرّ لأنّ القِطط ليس بمقدورها قراءة أفكاري هذه. فهوَ مخلوق
يستطيع قراءة أفكار البشر. ربّما تشكّل كقِط لينام تحت سقفنا بأمان. ربّما تشكّل
كُرهاً وعاش معنا مُجبِراً نفسه حتّى أحبّنا. لاحقتني هذه الأفكار الوسواسيّة بعد
أن خرجتُ من المنزل إلى مسكن جديد في مدينة أخرى. وبعد أن كان الأمر هزلًا صار
جِدًا. وأنا في مسكني البعيد، أتخيّل عينيه الذّكيّتين البشريّتين فأشتعلُ قهرًا
وخوف. أُداوِم إلى العمل كلّ يوم وعينيه تُحدّقان في خيالي. أحضر اجتماعات وأذهب
إلى المقاهي مع الأصدقاء والمُخلوق المُتخيّل يبتسم بمكر. لم ارتاح في تلك السّنين
الأولى من عملي. ربّما لأنّي لم أبُح بما يُقلقني لأصدقائي. ربّما هذا هو السّبب،
فكيف أبوح لهم بأسرار غريبة كهذه؟
رجعتُ إلى المنزل في إجازة عيد الفطر. ورأيتهُ من حيث لم يرَني، شاهدتهُ يعيش حياة سعيدة، يركض وراء السّلك الذي تسحبه اختي ويُحاول عضّه واللّعب به. ولحظةَ أن رآني انقلب وجهه، وبدا كأنّه أُصيب باكتئاب حاد. ومنذ تلك اللّحظة اخبرتني اختي أنّه لم يأكل شيء، وبعد يومين وجدناهُ ميّتًا كالقِط.

تعليقات
إرسال تعليق