قصة قصيرة: أنا لستُ موجود.
في رأس
الصّبي الصّغير كائن يُكلّمه، يَحثّه، يَنهيه، يُشجّعه. وفي دروس الرّياضيّات، أو لمّا
ينصحوه الكِبار عن الحياة، يزيد صخب
الكائن، ويروي له حكايات غريبة تُسلّيه. وفي إحدى الأيّام ارتفعت درجة حرارة
الصّبي إلى أربعين درجة مئويّة، فحدّثه الكائن وهو يرتعد من البرد:
- كل هذا بسببك أنت. أكلتَ الآيسكريم ثمّ خرجت تلعب تحت المطر. والآن لا أستطيع
التّفكير بسلام من شدّة البرد.
قال الصّبي للصّوت:
- لم أستطِع كبح شهوتي للآيسكريم، ولا أودّ تفويتَ المطر.
- والآن ستنقضي العطلة وأنتَ مريض.
تشاجرا
اللّيل كلّه، بينما والدا الصّبي نائمين في غرفتهما. مرضَ الصّوت مثلما مرض الصّبي.
قال له الصّوت مُوسوِساً:
- أبوك وأمّك النّائمين ليسا أبويك
الحقيقيّين.
- من هما إذن؟
- قتلا أبويك وتنكّرا.
رفع الصّبي
ظهره وجلس. دارت أفكار مُرعبة في رأسه، وتابع الصّوت الغير موجود:
- اهرب. اخرج الآن من النّافذة واطلب الشّرطة.
وكان
الصّبي ينوي الفرار، ولكن الحمى أثقلته. وبعد ساعة دخلت أمّه الغرفة ووضعت منديلاً
بارداً على رأسه، وبينما كانت جالسة قال ابنها:
- أين وضعتُما أبوَيّ؟
ضحكت وقالت مُطمئنة أنّ وسوسته هذه سببها شدّة الحِمى، وأنّها إن نام ستزول. ثمّ
خرجت المرأة الشّابة ودخلت غُرفتها، حيثُ كان الوالِد جالس. وقالت له:
- لقد كشفنا.
رفع حاجبيه وقال:
- وكيف؟ لم نُفوّت شيء.
- ربّما كلّ ما في الأمر أنّه يشُك.
- لحظة زوال الحمى سيصحى وينسى. وإن تمادى في الشّك سنقول أنّها وساوس شيطانيّة.
جلست بجانبه.
وفي غرفة
الولد قال الصّوت:
- ألن تهرب؟ هذه فرصتك.
جلس الصّبي على طرف السّرير والبرد يسري في عموده الفقري. ولمّا نهض شعر بطعنة في
رأسه. ولكنّه تحامل وفتح النّافذة وألقى بنفسه إلى الأرض. البرد في الفناء تسلّل
إلى عظامه. نهض وهو يدور والدّنيا المُظلمة تدور. المنزل تارة يُصبح في مكان
الشّجرة، والشّجرة تتموّج كأنّها في ماء. سار كجُندي مُصاب وفتح الباب. فرفع رأسه
إلى رجل أمامه في الشّارع. صاح الولد:
- أنقذني. ساعدني. أمي وأبي قُتِلا.
اعتقد الطّفل أنّه صرخ، ولكن عرفَ، من وجه الرّجل الذي يقف أمامه، أنّه لم ينطق
بشيء أبداً. قال الرّجل:
- أبوك في الدّاخل؟ ما لكَ يا ولد تلهث، أنتَ مريض؟
- اتّصل في الشّرطة.
- ها هوَ أبوك جاء.
التفتَ وإلّا بأبيه يتقدّم نحوَه. أحاطته ذراعيّ الغريب ولكن تمكّن من حلّ نفسه
والهروب في الشارع. ركض وركض حتّى أنّه، من شدّة الحمى، نسيَ لمَ يركض. لمح من
خلال دموع المرض السّاخنة أنّه خرج لتوّه من الحارة. سُرعان ما تلبدّت السّماء
بالغيوم وتقاطر منها مطر خفيف. لقد نسيَ الصّبي الجلوس، فلمّا وجدَ رصيفاً وجلس
فيهِ شعر براحة عظيمة مُفاجئة.
ضمّ
ذراعيه أمام صدره. قال له الكائن السّاكِن في رأسه بصوت ضعيف:
- وما الفعل الآن.
وأجابه بنبرة كالحلم:
- أنتَ الذي خدعتني وابعدتني عن أهلي.
- ليسوا أهلك.
وجدَ نفسه مُستلقياً مُتوَهماً أنّه على فراشه، مُصدقاً توهّمه، والبرودة تطحن
عظامه وترجفها. تخيّل رؤية ضوء سيّارة قديمة خرِبة سطعت على عينيه ثمّ عادت
الدّنيا ظلاماً مُبلّلاً. ثمّ غدى لا يُفكّر في الحياة، انحسر تفكيره في رعدته
ومتى يُشفى. أصبحت المياه تنسكبُ على وجهه بعد أن كانت تتقاطر. تلوّت الأشجار في
الشّارع وتلاطمت الأخشاب وتدحرجت براميل. وبعد لحظة اعتقد أنّ السّيل يحمله.
يُحدّق في غيوم عجِلة مُسرعة، والبرق يُضيء غيمة إسطوانيّة حمراء إذا أضاء. تراءى
رجل ذو وجهٍ شهم يسبح إليه ثمّ لا يصله. واختفت البيوت وتجمّع الطّين حوله. وبعد
فقدان الأمل امتدّت يد الكائن الغير موجود فقبضها. سحبهُ الكائن من الماء ووضعه
على اليابسة، وقال:
- أين اختفيت؟
- لعنك الله. أنتَ الشّيطان بعينه.
أُغشيَ على الولد وأفاق بعد لحظة وفي جسمه قد غلب العرق الماء. تُسمع صافِرات
الشّرطة من بعيد وقريب وطيّارات هيلاكوبتر تتحدّى الرّعد. تحسّنت حمى الولد وحالته
فاطمئنّ لمكانه المُرتفع وراح ينتظر قدوم النّجدة. ظلّ مُستنداً إلى صخرة يتأمّل
بتفاؤل انقطاع المطر.
قال الصّوت:
- لستُ شيطان. أنا صوتك الدّاخلي.
- اصمت، دعني أطرد خوفي.
- ماذا ستفعل إذا قادوك الشّرطة إلى حتفك.. إلى منزلك.
- منزلي هوَ نجاتي.
- منزلك هو موتك. أذهب إلى أيّ مكان إلّا منزلك.
بقدمه، ركلهُ الصّبي فسقط الكائن في السّيل. شاهده الصّبي يغرق.
بعد نصف
ساعة مرّ قارب الدّفاع المدني من غريقٍ وحملوه إلى المستشفى، حيثُ وضعوه على سرير،
وتفقّدوا ضغطه، وشرّبوه علاجاً مُرّاً جعله يسكن. وقال له الطّبيب:
- منذ متى مُصاب بالحمى؟
- منذ أسبوع. الحقيقة أنّي لستُ..
- كم عمرك؟
- لا أعلم. أنا لستُ موجود.
- وأنا كذلك. اعطني اسم والدك الكامل والحيّ الذي تسكنه.
وبعد أن جاوبه، قال الطّبيب بنبرة مُهدّئة:
- سنتّصلُ على والدك إن شاء الله.
ثمّ دار وهو يُدندن موسيقى، وخرج مُسدلاً السّتارة وراءه. رجع الهدوء المُحبّب. ونام
ولمّا أفاق ارتفعت درجة حرارته مرّة أخرى. نادى المُمرّضة فجاءت وطعنته بإبرة ثمّ
ذهبت عجِلة. غدت الغُرفة البيضاء المريضة تدور وتتموّج.

تعليقات
إرسال تعليق