قصة قصيرة: غموض.
آمنَ مالك عندما كان صغير بأمور خارجة عن المألوف. كان يعتقد، مثل أي طفل، أنّ المُمثلين، ومُذيعي الأخبار، في الواقع هم داخل شاشة التّيلفزيون التي أمامه. ولكن الغريب أنّه عندما كبر في السّن لم يتخلّى عن اعتقاده هذا. فتجده يُلزم زوجته ووالدته وأخواته على لبس ما يسترهم قبل تشغيل التّيلفزيون. وهنّ لا يُعارضوه. وعندما يحين وقت مُسلسلهن المُفضّل تقفُ واحدة عند الباب لتبلغهم إن سمعت صوت قدومه.
وغير هذا كان يعتقد أنّه هوَ من
يُشرق الشّمس ويجعلها تغرب. حيثُ يقف وقت الشّروق والغروب في الفناء ويدعي أن تخرج
الشّمس أو تغرب فتغرب أو تشرق. ولكن لحُسن الحظ، عدِل عن ظنّه هذا قبل زواجه. لكن آمنَ
بعدها أنّ جميع البشر يستطيعون رؤيته من وراء الجدران، فتجدهُ مثلًا يُحذّر من
يسكن معه في البيت أنّه سيُبدّل ملابسه، أو أنّه سيغتسل. والأمر الذي جعلهُ يكفر
بهذا الاعتقاد هوَ عندما كشف خيانة زوجته، حيث وقف أمام باب غرفتها يستمع إلى
حديثها مع حبيبها. ولو كانت تراه من خلف الجدران لأغلقت هاتفها أو حادثت حبيبها
وكأنّه صديقتها. ولكن من يستطيع إقناعه أنّ لا يوجد بشر داخل التّيلفزيون؟ حيثُ
سيُجيبك إن حاولت:
- إذن اشرح، كيف تقول أنّ هؤلاء في السّماء وهم الآن أراهم يتحدّثون أمامي؟
وعندما قتل زوجته أثناء نوبة عصبيّة دفنها في فناء البيت. وبعد أيّام أخرجها من
تحت التّراب ووضعها في القمامة وشاهد قدوم عُمّال النفاية وهم ينقلوها. وبعد يومين
أفاق من نومه ووجدها تطبخ طعامًا كعادتها. ولمّا رأته صبّحت عليه وأخبرته أنّها
طبخت له هذا الطّعام لكي يُوافق على خروجها مع صديقاتها إلى مقهى.
- مقهى؟
- سنخرج إلى مقهى ونحتفل بمُنسابة خطوبة صديقتي.
وعاد إلى غرفته موصدًا على نفسه الباب، وراح يُفكّر. كان مُخطئًا في تصوّرات
كثيرة، ولكنّها كانت أمور وسواسيّة يعلم في قرارة نفسه أنّها أوهام. ولكن قتلهِ
لزوجته كانت حقيقة. وفي اللّيل تبِعها إلى المقهى. شاهدها تجلس وحدها. وراحَ إلى
أقصى مائدة يُراقب. بعد لحظة دخل رجل، وأبطأَ هذا الرّجل خُطاه وراء زوجته. ثمّ
أغلقَ عينيها بيديه وهمس:
- من أنا؟
فانفجرت ضحكتها التي تردّدت صداها في المقهى.
لم يتحمّل مَشاهد الخيانة، فغادر المقهى. وفي مُنتصف
اللّيل عادت زوجته، وغدت تربتهُ مازحة مُغازلة كلّما مرّت منه. وأوّل جملة وجّهها
إليها هيَ:
يا خائنة. تبعتكِ إلى المقهى
ورأيتُكِ مع ذلك الرّجل. سأقتُلكِ. -
وقال جملته هذه وهو يُغلق باب البيت خلفه. هيَ الآن
سجينته. ولكنّها صدمَته لحظة أن قالت:
- ولكنّي ميّتة،
ألا تذكر؟

تعليقات
إرسال تعليق