قصة قصيرة: أحلام منسيّة

 



استلقى الزّبون على السّرير الخشبي الأسود المكسو بالجلد، فألصق مهدي أسلاكًا باردة في صدره العاري وعنقه وجبينه. أمامهما بدأت الشّاشة السّوداء بعرض ومضات مُتقطّعة وصور ضبابيّة غير واضحة. اتّسعت عينا الزّبون في قلق ناحية الشاشة.

جلس مهدي أمام الجهاز يُحرّك الفأرة ويكتب. ارتدى زيّه المُعتاد الغريب، سروال بُرتقالي فضفاض، وقميص أسود أنيق. على الشّاشة، وبأجزاء من الثانية، ظهرت امرأة عجوز شعرها أبيض وعينيها سوداوين يافِعتين، وملعب كرة تنس مهجور. ثمّ عادت الومضات الغير واضحة.
قال الزّبون: "هل تعرض أفكاري؟"
أجاب مهدي بنبرتهِ الوقورة العميقة: - "لا."
في إذنه سمّاعة يسمع منها تردّدات صوتيّة يعرف من خلالها مشاعر الزّبون. خائف، بل مُرتعب من أن يظهر شيء مُحرج على الشاشة. لا تصله المشاعر إلّا إن كانت شديدة. بالعادة لا يصل الزبائن إلى تلك الحِدّة من المشاعر، فالأشخاص مُفرطو الحساسيّة نادرًا ما يأتون إليه. يزوره بالعادة الأثرياء وأبناؤهم من لا يُمانعوا في إنفاق ثلاث آلاف ريال ليُشاهدوا أحلامًا نسوها تُعرض على الشّاشة. ينسى البشر أكثر أحلامهم، ولا يُبالوا بها إلّا علماء الأحلام، ذلك حتّى اختراع الجهاز.

سأل الزّبون: "ما معنى العجوز وملعب التّنس؟" نظراته التي يُلقيها إلى مهدي ذكيّة رُغم توتّره. لهُ بشرة بيضاء شاحبة، وحاجِبين كثّين.
"في اليقظة يحكم الوعي، فتحس وتسمع وترى. أمّا في النوم فيُسيطر اللّاوعي، وهيَ مخزن للمعلومات التي جمعتها في حياتك، حتّى في السّنوات الثلاث الأولى، وأيضًا قبل السنوات الأولى."
"قبل السّنوات الأولى؟"
"يُخزّن اللاوعي صدمات أجدادنا وحتّى مشاعرهم الجمعية. خوفنا من الظلام نابع من خوف أجدادنا من وحوش ولصوص اللّيل في الأزمنة التي كان الأمان فيها ضعيف. وأنت مُستغرق في النّوم يُسيطر اللّاوعي، ولغته الصّور والرّموز والمجازات."

بينه وبين الزّبون، سور قصير خشبي وُضع فوقه باقات ورد. انحنى مهدي مُتواريًا عن نظر زبونه لحظة ثمّ عاد إلى مكانه على الكرسي. ضغط زرًّا أسفل الشّاشة فاستُكمل عرض أحلام شهر ثلاثة. بدأت الصّور تظهر لأجزاء من الثانية، فضغط على زر آخر ليجعل العرض أبطأ. حلِم الزّبون أنه يمشي في ساحة، ربّما سوق مفتوح أو في كليّة، أو كليهما، وحوله بشر واقفين في مجموعات صغيرة يُحركون أيديهم. يمشي بينهم، ويُراقب. في البنايات العالية المُحيطة تبرز وجوه مطموسة عبر النّوافذ.
سألهُ مهدي وهو يُملّس لحيته: "متى تظن أنّك حلمت هذا الحلم؟"
شرد الزّبون لحظة ثمّ أجاب: "لا علم لي. أظن أنّي زرت مكان كهذا من قبل. ولكن ما معنى تلك الوجوه المطموسة التي تُحدّق بي من الأعلى؟"
"ربّما ترمز إلى حساسيّتك من النّقد."
حرّك مهدي الفأرة وضغط على ملف فيديو مكتوب عليه (حلم يوم 4 فبراير 2029). وعلى الشاشة بدأ فيديو يظهر فيه الزّبون جالس أمام مكتبه. انتشر على المكتب أوراق وكُتب مفتوحة. حاول الزّبون قراءة الأوراق، ولكنّها غير مفهومة فسأل: "لمَ لا يُمكنني القراءة؟"
"لا يستطيع اللّاوعي القراءة."
صمت الزّبون خلال عرض بعض الأحلام. في الفترة التي بين عرض الحلم والآخر أردف فجأة: "سؤال آخر. أوصاني صديق لي بك. أخبرني أنّك تملك هذا الاختراع ولكن لم أصدّقه إلّا الآن. تذكّرت أنّ في فترات من حياتي ينتابني شعور غريب وفكرة مُفاجئة، ربّما يكون ذلك مُرتبط بحلم نسيته. أريد أن أسألك ولكن لا تنزعج."
"تفضّل."
"لمَ لا تفتح متجرًا بدل من العمل في مكان غير رسمي كهذا؟"
بلع مهدي ريقه، وتصنّع الهدوء وهو يُحرّك الفأرة، وقال بصوته العميقة: "هذا جهاز سرّي. ولن يضرّك." وابتسم. حرّك الفأرة بوتيرة أسرع من قبل، توحي أنّه عصبيّ في الواقع.
خيّم الصمت مرّة أخرى، مؤلم هذه المرّة. تنحنح الزّبون وقال: "هل انتهينا؟"
"بقيَت أسئلة سأطرحها عليك للمعالجة."
"طيّب."

لاحظ أنّ نبضات قلب الزّبون ازدادت فجأة. عليه الآن أن يتلطّف معه قبل الأسئلة.
سأل بنبرة مازحة وهو ينحني مرّة أخرى وراء الحائط الخشبي: "ماذا قال صديقك عني؟"
"أخبرني أنّه رأى لمحات من أمّه المُتوفّيّة. رآها شيخة كما يتذكرها آخر مرّة، ورآها شابة كما يتذكّرها في طفولته."
عرف مهدي، عن طريق الجهاز الآخر، أنّ الزّبون يشتهي سيجارة فسمح له أن يُدخّن.
تعجّب الزّبون وهو يُخرج علبة السجائر: "وما أدراك أنّي مُدخّن؟"
"شممت رائحة الدخّان عليك لحظةَ أن دخلت شقّتي."
أشعل الزّبون سيجارته وقال: "لننتهي من الجلسة. اسأل."
عاد مهدي إلى كرسيه، وأردف وهو يتطلّع أسفل الحائط الخشبي: "طيّب. ما هيَ وظيفتك؟"
لمعت عينا الزّبون: "وما نفع وظيفتي؟"
أغمض مهدي عينيه في قلّة صبر وقال: "إجاباتك تُساعد الجهاز في إعطائك نصائح ووصايا تعزز عقلك الباطني."
نفخ الدّخان وقال: "لست مُوظّف. مُقاول."
كَذِب. عرف مهدي من الجهاز الحقيقي الذي يُخبّئه أمام قدميه أنّ الرّجل كذَب. يعمل الزّبون بائعًا في متجر والده. ثمّ فكّر الزّبون في والده بشيء من الحِقد. ظهر في الجهاز الحقيقي صورة والده، ومن خلال السّماعة الي يرتديها مهدي سمع تردّد يُشبه تردّد الحِقد ولكن ليس حقدًا واضحًا، فعزّى الأمر إلى أنّ الزبون لا يدرِ ماذا يشعر به تجاه والده. عليهِ أن يعرفَ أكثر عن علاقتهما.
سؤال آخر: "أنتَ مُتزوّج؟"
"نعم."
"لديك أطفال؟"
"لديّ ابنين وابنة."
إجابتين صحيحتين. لم يتوقّع مهدي أن يكون الرّجل مُتزوّجًا. يبدو كخريج جامعة.
ملّس لحيته وسأل: "من تُحب من أولادك أكثر؟"
شرد الزّبون لحظة. إنّه يُفكّر بوضوح. رأى مهدي من الجهاز الأطفال الثّلاثة. اثنان منهم توأم. بات جُلّ تفكير الزّبون الآن في ابنه الذي لم يكن توأم. ربّما هوَ الابن المُفضّل. رأى مهدي ملامحه بوضوح.. صا..
أجاب: "ابني صالح."
ظهر أنّ الزّبون صادق. ليس شرطًا أنّ يكون الزّبون صادق أم كاذب، ولكن معرفته هوَ بنفسه عبر جهازه الحقيقي، وليس جهاز عرض الأحلام الوهمي، معرفته خباياهم وأسرارهم تُشعره بلذّة لا يعرف مثلها في حياته.

كالعادة، وصلت الإجابة دون أن يُكثر من الاستجواب. رأى في ذاكرته أنّ والده يخنق ابنه صالح. وعمّه يُمسكه ليُشاهد. لوحة فنّيّة بديعة من صدمة نفسيّة قديمة تكرّرت مثلها وتطوّرت في حادثة ابنه. يقف الآن كيان والده في طرف وعيه. يحمل وزنًا ثقيل.
عليه أن يعرف أكثر: "متى وُلدت؟"
"ميلادي أم هجري؟"
"لا يهم."
"بالهجري وُلدت في رمضان 1425. وبالميلادي، لست عام 2004 شهر.. أممم.. لست مُتأكّد حقيقةً ولكن.. أظن.. أعتقد أنّي.."
ضرب مهدي الطّاولة بقوّة.
"أريد الدّقّة في إجاباتك.. أريد إجابات دقيقة نظيفة لا تشوبها شيء."
نظر إليه الزّبون.
تابع مهدي باندفاع: "جاوِب بما تعلم. لا تكذب."
فغرَ الزّبون فاه بشرود للحظة طويلة. ثمّ قال: "طيّب. هل الاسئلة واجبة؟ أُريد الانصراف."
رنّ هاتف مهدي. أجاب. انتظر قبل أن يقول: "عندي زبون." ثمّ أغلق الهاتف والتفت إلى الرّجل المُستلقي على السّرير الجِلدي: "تأكّد من اليوم والشّهر الميلادي الذي وُلدت فيه."
أخرج الزّبون هاتفه وهو يقول: "لكن.. سأنصرف."
انتظر مهدي دقيقتين قبل أن يُجيب الزّبون: "21/10/2004."

عطبَ الجهاز. فلم يعرف إن كانت إجابته الأخيرة كذبًا أم صدقًا. لا يُمكنه القراءة إن خافوا. الإنسان إن خاف تُحجب عنه الأفكار وتضعف. والحال نفسه مع الجهاز. قال لنفسه: عليك ألّا تُخيفهم. كم مرّة علي أن أُكرّر عليك.
قال: "في الأسبوع القادم ستصلك عبر البريد الإلكتروني رسالة فيها نتيجة تحليلك وعِدة وصايا أنصحك باتّباعها لتُطوّر من نفسك، ولكن أظن أنّك لا تعبأ في هذا وإنّما جئت إلى هنا لتُخبِر أصدقائك الأثرياء أنّك رأيتني."
لم ينظر إلى الزّبون ليرى تعابيره. بعد وهلة ابتسم. حديثه أزال الخوف عن قلب الزّبون. الآن يُمكنه القراءة و..

في شاشة الجِهاز السّرّي، يظهر في طرف وعي الزّبون، أنّ ثمّة رجال مُسلّحين تتجاوز أعدادهم العشرة يقفون بالقرب من الشقّة. ارتفعت أصابعه عن الفأرة، وأحسّ بثِقل لحيتهِ السّوداء، وعقبيه وفخذيه وحاجبيه ووجنتيه.

من هؤلاء؟ الزّبون يعرفهم ويعرف أنّه جلبهم إلى هنا. بدا الزّبون خائفًا أكثر من اللّازم طوال الجلسة.  

أوّل ما تبادر إلى ذهنه بعد مشاعر الرّعب أنّه لو فكّر بوضوح ستكون له الأفضليّة. نفخ بصوت أعلى ممّا توقّع وهو يُفكّر بجزع: لا، لا، لا. المهم أن أخرج سالمًا، المُهم أن أحيا، ربّما سيُهاجمون. تنفّس بهدوء شاعرًا ببرودة عينيه: لديّ خيار إبلاغ الشّرطة. لقد فقدوا عُنصر المُفاجئة الذي اتّكلوا عليه.  لكن الشّرطة سيجرّونه إلى السّجن. لن يُكلّم الشّرطة، لا، لا. المُهم أن أخرج سالمًا. إن نجا بنفسه سيُسرق الجهاز ولن يراه مرّة أخرى أبدًا.

خطرت له فكرة. ربّما ستنجح. لقد كان يعمل عليها منذ عامين ولكنّه لم يُجربّها على أحد لخطورتها.

نهضَ واتّجه إلى المنضدة في زاوية الغرفة، وفتح درجًا وأخرج لوحة دوائر كهربائيّة مطبوعة. نظر الزّبون إليه في رحلة ذهابه وعودته. ثمّ سأله: "ما هذا؟"
لاهثًا، أجاب: "ه، ه، هذا مثل.. المكياج."
"ماذا؟"
"في الحلاق يضع مكياج بعد الحلاقة."
"الحلاق يضع مكياج؟"

اندفع مهدي إلى مؤخّرة رأس الرّجل. أبعد الزّبون رأسه وسأل: "ماذا تصنع؟"
"تصفية الذّهن."
رفع الزّبون يديه أمام وجهه: "اشرح لي أوّلًا، بهدوء."
"وضعت هذا الجهاز في رأس صديقك لأجعله يتحلّم أحلامًا سعيدة."
"كم سيأخُذ من الوقت؟"
"دقيقة."
وضع السّلك باندفاعيّة في رأسه. بارتياب سمح له الزّبون.

أمسك مهدي بالفأرة وسريعًا دخل في ملف مكتوب عليه: (الزراعة). وبدأ يكتب. أمّا الزّبون فشاهد في الشّاشة ما يكتبه مهدي، لقد كتب وبشكل سريع أرقام ورموز وحروف.

صوت ارتطام الباب كاد يُسقط مهدي عن كُرسيّه. صوت آخر تلاه، ثمّ آخر انكسر بسببه الباب. دخلَ رجال مُسلّحين، وخلفهم دخل رجل بثوب وغترة.. وكاميرا.  

بينما يهمّوا الرّجال إلى تكبيل مهدي، أحسّ الزّبون الذي لم يكون زبون، وهو ينزع عنه الأسلاك بهدوء، بتموّجات كهربائيّة في رأسه، وشعرَ بتشوّش في روابط أعصابه. بدأت فجأة يداه تخذله.

وهوَ يهمّ إلى الاعتدال في جلسه، ارتفعت يداه من مفردهما، ورأى ظلال تتحرّك في زوايا عينيه، وهمسات حقيقيّة في رأسه تتكلّم. تنطق رموزًا وأرقامًا وحروفًا. هزّ رأسه وتأوّه.

أحسّ بمشاعر موقن أنّها ليست له. كأنّ إنسان آخر تغلغل فيه. عرفَ أنّه قد اُعتديَ عليه. ومع ذلك تصرّف ببرود لكي لا يُفسِد عمل الرّجال. أوّل الخواطر أنّ هذه التّغيّرات ستزول بعد لحظات. ولكنّ الأصوات الهامسة والمشاعر الحميميّة القويّة تكاد لا تُطاق. أدرك مرعوبًا أنّ المشاعر تغلب وعيه. بتسارع، يتلاشى واقعه الذي يعرفه والذي اعتاد عليه في فِعل الأشياء والذي ألِفه طيلة حياته. غدت مشاعر إنقاذ المُحتال من هؤلاء غالبة، وآخر فِعل واعيًا منه أنّه صرخ عاليًا بنبرة جزِعة لدقيقتين كامِلتين. ثمّ أصبح ينظر إلى العالم عبر عينين ليست عينيه.

أمّا مهدي، وهوَ مُكبّل، راقب حال المسكين وهو يتدرّج إلى الجُنون. همّوا الرّجال فوقه، وأوقفوه عن صُراخه. بعد ساعة بدا والإسعاف حوله، أنّه مغلوث، يتصّبب لُعابه وتسيل عينيه، ويُحدّق بعينين واسعتين لا تطرفان.  

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قصة مترجمة: المحبوبة (للفنّانة السّرياليّة ليونورا كارينجتون).

قصة قصيرة: الواحة.