قصة قصيرة: ذُؤيب.

 




 

كان مستلقيًا يُصالح النّوم حين اقتحم زراد الخان زاعقًا: “لقد رأيتهم بأمّ عينيالسّحالي". ثمّ لبث عند الباب، يُطالعهم ظانًا أنه قذف الرّعب في قلوبهم.

شاهدهُ ذؤيب بطرف عينه، ثمّ ببرودٍ أشار إلى الفراش وقال: “ارجع إلى نومك". كانت عيناه جاحظتين كعيني الضفدع، وأفطس الأنفوبخلاف الضفدع، على وجهه مسحة جمال ﻻ تُرصد إلّا بتمعّن، وقد بلغ السابعة عشر في مطلع هذا الشتاء.

احمرّ وجه زراد، فزمجر بصوتٍ، وشى أنّه ﻻ يُعليه عادة، موقظًا الرّجال النّائمين: “سهامنا ﻻ تنفُذ فيهم، وهم يتلبّسون كالجن".
دلّهُ ذؤيب: “إذن اهرب وحدك".
اقتحم الخان رياح باردة عبر الباب المُشرّع خلف زرادامتثلَ هوَ أمامه، وكان وجهه مطموسًا مٌظلمًا، إذ أنّهم لم يوقدوا ضوء، وعرفَ ذؤيب أنّه زراد من ضوء القمر المُستقر على ظهره باديًا كالجان.
صاح زراد صيحة غضب نابعة من الخوف، علق رنينها في إذن ذؤيبكان ذؤيب غاطسًا في فراشه، متدثّرا بجميع الأغطية التي وجودها في الخان المهجور، ورغم هذا أحرقته البرودة وسلبت حواسه
قال لزراد: “ألا تعرف أنّ أبيك أخبرَ الملك أنّ تأتي معنا ليجود قلبك الواهن؟". ثمّ ألصقَ الدثار بجسده، ودسّ قدميه الباردتين اللّتان خرجتا سهوًا، وأردف: “دعهم يطبخونا لنخلص من البرد".

من الخمسة النّيام، جلس تالح يملس لحيته الغزيرة، ثمّ نظر يمينًا فشمالًا، وتساءل: “أكانت الصيحة منك؟". اشتمّ ذؤيب من أنفه الأفطس رائحة فم الرّجل العريضكان الخان واسع ورحيب، يصلح ليكون أرضًا لعرس أمير، غير أنّه مُظلم، وهم سبعة ناموا مُلتصقين ببعض، بادين كالخفافيش في كهف عميق ومعتم.

عاد تالح يقول: “ماذا تفعل واقف عندك يا زراد؟ أوصد الباب وإلّاهل ح..”. رأى، خلال الباب، الظّلام مُغرقا الدّنيا، فاتّسعت عيناه: “ليللبستك الجنّ يا زرادأغدرتَ بنا تقتلنا نيامًا بفتحك الباب؟". 
ضحكَ ذؤيب.
قال زراد، مُوضّحا، وهو يحملُ متاعه، وما جمعه في سفرهم: “السّحالي في الخارج".
طالعهُ تالح برهة، وقد بدت لحيتهُ كنسيج عنكبوت في سواد المكان، وتساءل: "أهذه مثل كذبة النّسناس؟".
ارتعدت يدي زراد بينما يشرح: “ملأنا القوارير فلست قادر على التبول في الخانفخرجت وإذا بي اسمع نحيب وبكاء، فرأيت بين سعف النخل مشاعلهمكانوا طِوال القامة، يجرون ضحاياهم بالسّلاسل كالكلابضحاياهم الذين سيأكلونهم".
سأله تالح باهتمام: “رصدوك؟".
كلّا".
فقال بعد أن تنهّد وأنزل رأسه إلى المخدة: “إذن ارجع إلى نومكإن خرجنا سيُهلكنا البرد".
سأل ذؤيب تالح، بابتسامة حادة: “صدّقته؟". 
رمقهُ تالح دون أن ينبس ببنت شفه.
ردّد ذؤيب في خاطره بينما يرتعد من البرد تحت اللّحافأكذب من زراد. ضحك حين سمع خبر هذا المَثل في القرية التي انطلقوا منها، وتشوّق أن يرى زراد هذاويا لخيبته؛ فقد ظنّه ماكرًا جسورًا، يُخوّله مكره أن يُذيع الإشاعة التي تزعم أنّه عثر على النَّسناس، تلك التي بلغت الملك فروان، فبعث الملك فرسانه إلى القرية لصيدهم، فرجعوا خائبين
ملّس شاربه الهزيل وهو يضحك بخفّة.
لكنّ زراد واهن العقل، عينيه يُطيل بهما النّظر لمن حوله، لكنّهما جزِعتين.  أباه قطع أميالًا ليكون بين يدي الملك، قائلًا أنّه ينوي تعويضه في إيجاد تلك المخلوقات التي ولِع بها الملكبعد ستّ سنوات قضاها الرّجل في البحث، رصدَ النّسناس في واحة متروكة، فوهبهُ الملك الهدايا، وكرّمه في مجلسه، بحضور الأمراء والوزراء والحُكماء والأطياف.

مشى زراد بين النّائمين، يربت على أكتافهم، فيزعق واحدًا بوجهه، والثّاني والثّالث حاوراه بالرأي والمنطق، والأخير كان أكثر من تحدّث، بَيد أنّ كلماته نابعة من عالم الأحلامكان قد حملَ متاعه فوق ظهره، وعندما عرفَ أنّ أحدًا لن يذهب معه، ألقى بثيابه وأوانيه الفضيّة وخناجره، وجثمَ على رُكبتيه وكأنّما يُخاطب نفسه: “سيضعون لحمي في أفواههم، وينهشونني بأسنانهم، ثم يبتلعونني في حناجرهم، وسأغدو كلّي في بطونهم… والبلوى العظمى أنّي سأخرج من أدبارهم".

جعل البرد ذؤيب يُهمهم بلحن كئيبلقد شعرَ بهِ يتوغّل في جسده خلسة، يسبح في أعضاءه، ويفقده حسّه المألوف بالأشياء، وآخر ما صنع هو خنقه من نحره كأنّه يُريد ذبحهأغمضَ عينيه مسترجعًا كل ما سمعه عن السّحاليتذكّر شعوره بالتّعاسة حين حكى جدّه منذ زمن بعيد، عن أكلِهم صديقه، خصوصًا الوصف الذي زرعه جدّه في مُخيّلتهقِطع لحمه مسودّ من الطّبخالمرّة الثانية من أبيه، قال أنّ طائف منهم عبر ضاحية اللّصوص، القريب من غدير الأخواتلم يرعبهُ رصدهم من النّاس أبدًاإن كانوا أقوى حقًّا لما اتّخذوا القفر مقرًّا، فكانوا كالأسود والنّمور وبقيّة الضواري الذين يهابون سِهام بنو البشرواسترجع الأحاديث التي تجاذبها مع الغلمان حين كان غلامًا، فابتسمَ حين تذكّر براعته في الكذب، حيثُ حكى أنّ سحليةً عملاقة لها قرن، دخلت داره فقاتله أبيه إلى أن قلعَ قرنه وأغمدهُ في صدره، وأن زوج هذه السّحليّة وعدَ بالثّأر القريب

غير أنّ النّسناس هم من أرعبوه حين أبصرهم في القريةسمع عن خبرهم، والعطايا لمن ينقلهم، ففزِع له عمّه، صاحب الشّرطة، بإبداء رأيه لرسول الملك، أن يضمّ ذؤيب إلى القافية التي تنقل النّسناس إلى العاصمةرآهم أوّل ما رآهم مُكبّلين بالأصفاد، غير أنّ الأصفاد المعروفة ﻻ تنفع لغرابة هيئتهمكانوا بشرًا، بالأحرى نصف بشرساق واحدة، وذراع واحدة، وربع جذع، ونصف وجهتيّبسَ قلبه رُعبًا، أو حزنًا، أوّلَ ما تسمّرت عينيه بعين فرد منهم، حيث حدّق الفرد فيه، من وراء الحاجز الحديدي، بعين حكيمة ومُرهقة كأنّما يحمل آلام النّاس جميعًاحرسَ ذؤيب القافية أميالًاكان على رأسها، مع رِجال من جلدة الملك نفسهغير أنّه لم يجد نفسه إلّا عندما هبط إلى وسط القافية حيثُ من على شأنه، وهم تالح على خيلهِ الأسود، وزراد، وأجدر، وتُليل، وفُسيم، وأزيك، وكِسافأبغضَ ذؤيب زراد بعد أوّل لقاء، فهو ﻻ يتحدّث أبدًا، يختلس النّظر، وعندما يتحدّث يُريد لكمهلكنّه أكل الطّعام معه بين البقيّة، ونام معهم، وتسامروا أيّامًا كثيرةيرجعُ بغضه إلى خيبة أمله بهربّما تخيّل نفسه قبلًا أن يفعل شيئًا مُماثلًا، من شأنه أن  يذكروا اسمه في إيوان الملك، وتجلّت رغبتهُ في خَبَره حتّى رآه بعينه.

كان تُليل وفُسيم توأمان، وبلغ الشبه بينهما أن بديا كانعكاس لبعضهما، يرتديا نفس الملبس، وكلّما طالت لحية تُليل أطال فُسيم لحيته، وإذا حلّق واحدًا منهما لحيته قلّده الآخروطلبَ تالح، ابن الخياط الذي أصبح فجأة يقودهم، من فُسيم أن يُقصر من شعره، ولكنّ أبى قائلًا أنّ ذلك سيكون نذير شؤم، فلم يسبق لهما منذ نعومة أظفارهما أن اختلفا في شيء، وبعد أن تسامروا أياما كثيرة عرف ذؤيب أنّهما لصّين ماهرين في مدينة مسقية، وذاع صيتهما حتّى في العاصمة، قبل أن يُسجنا أربعة سنين في زنزانتين مُختلفتين، الأمر الذي أحزنهماأخبره تُليل أن انفصاله عن فُسيم ضعّف الشبه بينهما، فأخيه فُسيم طال أنفه قليلًا، وهو تغيّر صوته.   

أما تالح فكان ابن خيّاط، اُختُطف وبيع في سوق الرقيق لمّا كان غلامًا إلى أمير مسقيّة، وتعلم القراءة وفنون القتال واعتق الأمير رقبته حين بلغ ستة عشروحكى لهم في ليالي السمر أنّه ظنّ أنّه يتيم حتّى أرسل الأمير رجل من رجاله يُدعى يمام يقتفي طرق الرقيق راجعًا إلى أهله، فذهب تالح مع يمام إلى قرية أهله في بلاد الأطياف وأعاده إليهمحكى قصّته كأنها قصة رجل آخر، خالية من التّأملات العاطفية، فغالبًا ما كان كذلك.

انقضى شهرٌ كلّ الأيّام فيه تتشابه، إلّا الأوقات التي ينزلون فيها إلى النُّزل، بعضها يستفيد ذؤيب منها فينام على سرير، وبعضها يُشغّلونه في حراسة القافيةفي إحدى المرّات التي حرسَ فيها، أفرطَ فُسيم وتُليل وأزيك وأجدر في شُرب النبيذ، وشتمَ أزيك نسناسًا، فردّ النّساس الشّتيمة بأحسن منها، فاجترأ تُليل أن يُقحم عصاةً في الحاجز الحديدي، وضربَ نسناسًا، فتجمّعوا وسحبوه من قميصه وأدموا أنفهفتحَ فُسيم باب الحاجز نجدةً لأخيه، وأخرجهم ليتقاتل معهم، غير أنّ لحظةَ أن برزوا، هربَ ثمانية منهم مُتغلغلين في الظّلامأمسكوا ما قدِروا عليه، ثمّ قضوا ساعة يتخيّلون فيها أصناف العذاب التي سينالونها من قريبو الملك جرّاء طيشهملم يُعذّبوهم، لكنّهم أمروهم أن يلحقوا بالنسناساقتفوا أثرهم ثلاثة أيّام، ووجدوهم نيامًا أسفلَ تلفكبّلوهم وعادوا أدراجهمومرّ يوم وليلة فبقي على ما يظنوا نصف يوم، ليبلغوا النّزل الذي عنده القافيةبيّتوا في الخان المهجور، وجعلوا النّسناس الخمسة مُكبّلين بالحبال خارجه، غير عابئين بعويلهم حيال البرد.   

قاموا جميعهم يتثاءبون بعد بكاء زراد، وقال أزيك غائظًا، وقد وثبَ من نومهِ جرّاء نواح زراد: “قلتَ أنّك شهدت النّسناس فصدّقك الملك، فلا تغترّ بكذبكوسخّن لنا عشاءنا". وأشارَ زراد أنّه سيوقد النّار في الخان، ومضى إلى الخارج وعاد في الحال بالحطب، وأوقده ونصبَ فوقه قدر فيه لحم شاة مع مرقهأُنير الخان من النّار المُشتعلة، خاصة عند زراد، ويخفت حواليه، لكنّهم استطاعوا جميعهم تمييز بعضهممضت بُرهة قبل أن تفوح رائحة المرق إذ سخُنكان النّوم في متناوَل ذؤيب منذ برهة، والآن هجرههو يشك إن كان قد نام، فعليه التبست الأحلام والهواجسوترسّخ البرد في جسده ووجدانه، مُحمّلًا بأوهام وعذابًا في الضميركانت عين النّسناس التي شخِصته طويلًا في القرية تنغرسُ كلّ يوم في جسده بجذورها كما ينغرس الشّجر في الأرض. 

بعد وهلة، تحلّقوا حول القدر، وأكلوا اللّحم وشربوا المرق الحاربعد أن فرغوا قال تالح إنّهم سوف ينطلقون مع أول خيط من الفجررجع ذؤيب إلى فراشه شاعرًا بالدّفء، بينما راح زراد يُلصق القدر على الباب، وفي وسطهِ أثقله بالماء وصخرتين كبيرتين ليمنعَ السّحالي من الدّخولقال لهُ ذؤيب مازحًا أنّهم ربّما يدخلون من الباب الآخرجزع زراد وراح يطوف المكان فلم يجد أيّ بابخمدوا بعدها جميعًا دون نوم، إذ يتنحنح رجل حين ظنّ ذؤيب أنّه نام، وآخر يسعل أو يعطسشخِص ببصره الجمرات المُتلألئة البعيدة في وسط الظّلمة، والتي تُبدّل ألوانها كالنّجوم وهي تخمدفجأة، رأى سعادة أهله عندما يرجع غنيًّا إلى بيته، وزغاريد أمّه تحفّه حفًّا، وابتسامة أبيه التي يتوقُ إليهامن الجمرات القليلة المُشتعلة، ارتفع ستار قصير من الدّخّان يبترهُ الظلامأدركَ مُتأخّرًا أنّه لم يكن دخانًا، بل وجهُ نسناس.

اختنق ثمّ صاح: “لقد اقتحموا الخان!”. انتفض الرّجال عن مضاجعهم، ورنّت السيوف وهي تُسحب، ثم دلف ذؤيب بجزع إلى الرّكن وهو يرتعد

أوقد تالح وكساف مشعليهما، وطافا ببصريهما، ثمّ سألا: “من اقتحمنا؟".
أشار ذؤيب بإصبعه إلى الجمرات، التي ﻻ نسناس عندها.
سأل تالح: “أين؟".
اتّكأ ذؤيب على الحائط، يُحاول ترويض أنفاسه، وقال: “خلتُ أنّي رأيت نسناسًا".
ضحك تُليل، فيما قال أزيك: “أرعبتنا على ﻻ شيء".
ثبّت ذؤيب بصره في الجمرات طويلًامرّ بالقرب منها تالح، ثم فتحَ باب الخان ومضى إلى الخارج
أراد أن يقول لهمولكنّي متيقّنولكن آثرَ السّكوتما رأى ليس خيالًا، لقد رآه بعينه اليقظةثمّ هدأ روعه وسخرَ في نفسه من نفسه وقال: “هذه علامة على لزوم العودة للقافية”.
قال تُليل: “أصبت فيما قلتوجب أن نتحرّك الآن”ثمّ نزع زرده، وارتدى آخر وفوقه اكتسى بالقميص، وفعل الآخرون مثلهلملم زراد وأجدر وكساف القدر والماء الذي أنزلوه من الخيول، فيما جمع ذؤيب وتليل وأخيه فسيم الأغطية فوق بعض.

بعد غيابه، برز تالح عند الباب بوجه مكفهر وقال: “اتركوا كلّ شيء إلا أسلحتكم وتعالوالقد اختفى النّسناس".

*****

كان الظّلام قد فتر عندما ركبوا خيولهم واقتفوا الآثارجزع زراد عندما أعلن تالح: “أقدام واحدة لكلّ نسناس، هذا واضح، ولكن ثمّة آثار لمخلوقات أخرى". 

فكّر ذؤيب بالعطايا التي وُعد بها تذوبلن يرضى أبناء عمومة الملك بهذافغدى ما ينتظره هو العفواستبطن أنّهم جميعًا فكّر مثله، وتساءل إن كان الأمر برمّته يستحق العناء أصلا.

عندما ارتفعت الشمس ووضح النهار، قادهم الأثر إلى هضاب صفراء متفرّقة فمضوا بينهاارتفعت حولهم قممها من كل الجهات، ثم صعد الأثر إلى قمة هضبة تحفّها نتوء.

حين صعدوا، تراءى الغار لذؤيب باديًا كالثغر المفتوح، وقال: “النّسناس أغبياءلن يُفكّروا بالاختباء في مكان كهذا".
سألهُ زراد: “أتقول أنّ سحالٍ خطفتهم؟".
نظرَ إلى صاحبه نظرة الحنون وأجاب: “نعمأقول أنّ السّحالي جلبوهم إلى هناوعلينا ألا ننتظر مُكافأة من الملك، لأنّه لن يعطينا شيء".
قال تالح: “لكنّا عهدناهم".
أبطأ ذؤيب خيله فسبقوه، وقال: “أرى أن الملك فروان نفسه إن كان هنا سيضحك ويقول لا تكلّفوا أنفسكم".
أردف تالح: “إنّ كلمة الملك قاطعة، أمر أبناء عمومته على نقل النّسناس، وقد عهدناهم وسنظل ماضين في عملنا".
قال فُسيم: “أُناصر ذؤيب". وقال أخيه تُليل وزراد مثل قوله، وأبديا كساف وأجدر  تأييدهما لتالح.
قال ذؤيب: “أرى أيضا أن من يدخل هذا الغار هو فُسيم وتُليل وأزيك وأجدر، ﻷنّهم من أوقعونا في المصيبة من أوّل يوم".
أوقف تالح خيله، ثمّ دار به حتى وقف إلى جانب خيل ذؤيب، حدّق فيه طويلًا، ثمّ قال وهو يُشير بيده: “أترى هذا الغار؟ سندخلهُ الآن جميعًاوإن أبطأت فرسك مرة أخرى سأقتلك". ثمّ نظر إلى تُليل وفُسيم وزراد وأردف: “الكلام يسري عليكم أيضاأم تُريدون الغدر بي؟".
جال بعينيه الغائظتين بينهمثمّ أذعنوا لقولهترجّلوا عن خيولهم ومضوا جميعًا إلى الدّاخل.

احتفظ الغار ببرودة اللّيلبدت جدرانه من الداخل كعظام بائدة مُتحجّرةتوغّلوا إلى أن بلغوا منعطفًا خبا عنده ضوء الشّمس ثم انعدمأشعل تالح سراجه، وقرّبه من التّرابلمحَ الأثر فأشار بيده أن يلحقوهلم يأمرهم بالصّمت، غير أنّهم أحسّوا أن الهمس يوجب مُصيبة حتميّة، وشعر ذؤيب أن حتّى أنفاسه يجب عليه قمعهاكان الظّلام والهدوء وخطاهم المتأنيّة على التّربة هي المُهيمنةبعد برهة، أبصر ذؤيب ثغرة في جدار الغارأطفأ تالح سراجه بحيطة فعمّ الظّلامانبعث من الثّغرة ضوء شفيف يشبه البخاراستحال الهدوء الظاهري إلى قلق، رغم أن لم يُعكر الصّمت أيّ صوت، فوراء الصّخرة لم يسمعوا أي شيء، لكن خُيّل لذؤيب أنه على وشك سماع صرخة غريبة، أو عويل، أو دوي، أو حتّى حفيف من شأنه أن يُجفلهدار تالح إليهم، وسلّم سراجه إلى تُليل، ومضى إلى الثّغرة على أصابع قدميهشاهده ذؤيب خلال شذرات الضّوء الضّئيلة، وأدخل تالح عينًا واحدة في الثّغرة
بسُرعة فكّر ذؤيب بفعله إذا اقتربت المواجهةالقتال فكرة شريفة وسمعة حسنة، والهروب فكرة شهيّة إذا كان البقاء والقتال والنصر ستؤول إلى عقوبة على يد  الأمراء.
أجهش زراد فجأة، هشهشوا عليه فصمت مُصدرًا أنينًاثمّ أنّه ضغط على بطنه، وانحنا، واستفرغ مرق اللّحم الذي تناوله اللّيلة الماضية.
سأل تُليل تالح: “أترى شيء؟".
لم ينبس تالح ببنت شفة وهو يرمق في الحفرةاستبطنَ ذؤيب أنّ شيء وراء الجدار أثار القائد، سحالٍ، أو علامة سبيل آخر غير الذي يشقّوه الآن.
سأل تُليل: “ماذا ترى يا تالح؟".
وعندما لم يجب، اندفعَ ذؤيب إلى تالح بغير تفكيراقترب منه، ورفع يده وربت على ظهره ناطقا اسمهلكن تالح لم يستجيب.
سأله ذؤيب: “هل ثمّة ما أجفلك؟".
ربتَه على كتفه مرّتين، غير أنّ الرّجل ظلّ جامدًا يُحدّق في الثّغرة كالجاسوس المُدرّب، مُتشبّثًا كالحشرةبعد برهة، وقد شعر أنّ الزمن طال، قبض ذؤيب على كتفهِ وأدارهاستجاب تالح فواجههم، غير أنّه استحال كأنّه جماد بشريجسده صلب كصخرة، ووجهه مُتيبّس على ابتسامة تصل الإذن بالأخرى، وعينيه اتّسعتا تنظر إليهم كأنّها ﻻ تنظر إلى شيءدبّ الرّعب في قلب ذؤيب، ورجع إلى وراء أصحابه رافعًا سيفه في الهواء

تقدّم كساف وتليل إلى الرّجل، وأبدى تليل ملاحظته: “أأصابه جنون؟".
دنا كساف أكثر وألصق وجهه في وجه تالح وسأله: “ماذا أصابك يا رفيق؟".
ثمّ تطلّع تليل في وجه تالح طويلًا، وقال بنبرة مرتعبة يُغلّفها الحزن: “وجب علينا العودة".
تقدّم تليل طريق العودة، ومضوا الجميع خلفهنظرَ ذؤيب إلى الحفرة في الجدار وهي تبتعد، وفكّر بما سيجده وراءهالمّا تلكّأ تالح عن اللّحاق بهم، أمسك ذؤيب يده وسحبه.

تبعوا الدّرب الذي جاؤوا منهمُنتظرين أشعة الشّمس التي انعطفوا عندهالكنّها لم تأتي، وشكّ ذؤيب أنّهم سلكوا الدّرب الخطأ، فقال لتليل: “لم نستغرق كل هذا الزمن عندما دخلنا".
قال تليل مُوجهًا حديثه للجميع: “أخشى أن نُحبس”.
سأله أزيك: “وماذا سنصنع؟”.
وقف تليل ودارنظر في ذؤيب، وتنقّل ببصره بين زراد وجدير وكساف وأخيه فُسيمبدا في وجهه الذعرثمّ قال: “ذؤيب وزراد، إن بدأ القتال احميا تالح".

استأنفوا سيرهم ينظرون فقط إلى ما يقع عليه ضوء السراجبعد برهة، صدر صوت، فتسمّروا في أماكنهمقال زراد: "يبدو كأنّه حيوان”.
قال كساف: “حيوان حزين أو مجروح”.
سمع ذؤيب الصوت من قبل عندما أخذه أبيه ليتفرّجوا على قافية قادمة من بلاد بعيدة، فقال لهم: “هذا صوت فيل”.
ﻻ توجد فيلة في مُهرَقان كلّها، إلا التي ربّما يقتنيها الملكففكّر ذؤيب أنّ الصوت ليس لفيل عالق هنا، بل لشيء يُقلّد صوت الفيل، وهو يخدعهم ويُرعبهم.

أبطأ هو وزراد عنهمكانا يجذبان تالح من يديه، غير أنّ الأخير يتلكأ ويتجمّد فجأة، فاضطر ذؤيب إلى حمل ذراعه اليسرى على كتفه، والذراع اليمنى حملها زراد الذي قال: “أعرف الفيلة، ولكن هذا ليس بفيلإنّه صوت ثعلب”.
شتان بين الفيل والثعلبقال ذؤيب مُتطلّعًا فيه فوق كتف تالح اليسرى: “ثعلب؟ ألم تسمع صوت الثعلب من قبل؟”وجد نفسه، رغم الحال المريعة، أنه ابتسم بتهكّم.
قال فسيم: “ليس بالثعلب وﻻ الفيل، إنّه يشبه صوت طائر حزين أعييت تذكره، ربّما الهدهد”.
نظر تليل فيهم مصغيا، وقد ابيضت عيناهفكّر لبرهة، ثمّ قال: “أنا سمعت زمجرة رجل”.

أحاطت ذراع ذؤيب حول ظهر تالحلم يكن ظهره متصلّبا تصلّب الظهر الطبيعيأحسّ ذؤيب أنّه يحيط ذراعه حول جذع نخلةغير أنّ الجذع ﻻن فجأة، ثمّ نظر المخلوق فيه بعينين مجنونتين، وانتزع سيف ذؤيب بحركة خاطفة، ولوّح به في الهواء

تفادى ذؤيب النّصل الحاد بإنحناءة سريعة، وعندما اتّخذ النصل دورانه الكامل، كانت قد قطعت رأس زراد، الذي سار خطوتين ثمّ هوى على الأرض.

تراجع ذؤيب إلى الوراء، بينما قذف تليل السراج على الأرض وتوجّه إلى تالح شاقًا الهواء بسيفهصدّ تالح الهجوم بضربات قويّة، طيّرت آخر ضربة سلاح تُليل في الهواءوعلى بعد خمسة أقدام، أصدر سقوطه صليلا.

أوّلًا، بُترت ذراع تليل، وبعد أن وجّه بقبضة يده ضربة يائسة بُترت ذراعه الأخرىصاح تالح بصوت كصوت الفيل.

والدّموع تنهمر على خدّيه، سدّد فسيم ضربة على ظهرهاستدار الجذع بغضب وقابله، ثمّ أغمدَ سيفه في قلب فسيم.


كان ذؤيب قد تراجع حتّى ابتلعه الظلامسمعَ صليلًا وصرختان، خرجتا من حنجرة كساف وأجدروعويلًا ونحيبًا، من فم تُليل المُحتضِرالعتمة أشدّ من أي شيء شهده ذؤيب في حياتهكان قد تاهَ ﻻ يعلم أين السبيل، ثمّ سمع نفسُ تالح اللّاهث فذهب للجهة الأخرىلكي ﻻ يصطدم بجدار، كانتا ذراعيه مرفوعتين يتحسّس دربه، ويتمنّى لو بوسعه قمع دقّات قلبه التي يخشى أن تكشف موقعه، والتي تحومُ في صدره كسمكة وقعت في قاع سفينة، تارة تطرق في إذنه، وتارة في رأسهفي أوّل هروبه مشى بهدوء، ثم هرول على أطراف أصابعهلم يدم ذلك طويلًا، لأنّه أحسّ بحرقة الألم في أطراف أصابعه، ولأنّه ربّما يصطدم وجهه بجدارعاد للسير البطيء المُتأنّي الهادئ الذي جعل أفكاره تهدأ، فأدرك من فوره أنّه هربَ إلى الطريق الخطأيحول الوحش بينه وبين ذلك الثغر المفتوح الذي تُشرق عنده الشّمسالثغر هوَ بوابة الجحيم، وهو يتّجه الآن إلى قاعهذكرى تُليل دون ذراعين، وعويله المُفجع الذي سمعه في العتمة، عبّرتا عن الجحيم.

*****

بعد وقت طويل، ربّما يوم، أو نصف يوم، أو أكثر بقليل من ذلك، فقدَ ذؤيب شعوره بالزّمن، وغدت أحاسيسه باردة، ورتيبة، ورائقة كخرير سيل المطرالظّلام بدا مألوفًا على نحو غريب، رُغم أنّه لم يعِش ظلمة كهذه قبلًاما حدث هو أن غمرته سكينة المكان فاستسلمَ لهاجلس إلى العتبة، أو الصّخرة، أيًّا كان الذي حدسه، مُتحسّسا حركته بتمهّل، شاعرًا أنّه على وشك الطّيرانجلس لكي ﻻ يسمع وقع مشيتهالآن باتت الظّلمة خواء، ﻻ شيء يُلمح، وﻻ صوت يُسمع، وبعد برهة حتّى العتبة، أو الصخرة، التي يجلس عليها ﻻ يحسّ بها، وﻻ يدرِ إن كان فاتح عينيه أو مغمضهاالشيء الوحيد الذي قد يُرجعه إلى الواقع هو النسمات الرّطبة التي تهب على وجهه من حين إلى حين، غير أنّها تضاءلت الآن ممتزجًا مع السكونعلى نقيض المصائب التي تُمهّل الإنسان وقتًا يهضمها، السكون يُداهم فجأة دون أن يُشعر.

حدسهُ أول الأمر في ظهره، وأخذ دورةً في بطنه، ثمّ صعد بسرعة قاطعة إلى صدره، وبعينين جافتين خرج البكاء من فمه قاحلًا مُفاجئًا ومجهول سببهسدّ فمه براحتيه مانعًا إياه الخروج، رغم إلحاحهيذكر آخر مرّة بكى فيها، فهو ﻻ يزال صغيريذكر أن البكاء تتبعه السكينة، لكن ما اعتراه الآن هوَ أن السكينة سبقت البكاءآخر مرّة كانت عندما شاهد مع أبيه فيلًا يبركُ على رجل من حرس القافيةهرع أصحابه إليه، غير أنّهم لم يقدروا على نجدتهعرف يومها لأوّل مرّة ضعف الإنسان.

أشهر قليلة عقب حدث القافية التي تحلّق حولها أهل القرية لرؤية الفيلة، يذكر مشاهدته مع أبيه خُضرةً تتموّج في السّماء، لم يُبهتها ضوء القمرانبهر من المشهد أكثر من انبهاره من الفيلة، ويذكر أن أباه كان يستعجل الرجوع إلى الدار لكنّه جلس معه اللّيل كلّه ليشاهد المنظر الخلّابوكما لو بوسعه رؤية تجلي ذكرياته أمامه، انبثق ضوء أخضر في ظلام الغار

كان الضوء يتناغم مع العتمة كأنه أصلا جزء منهالم يكدر صفو ذهنه هذا التغيّر المفاجئ للعالم، بل على عكس ذلكشخص ببصره حتّى حدّد معالم الصخور حواليهأدرك فجأةً، كأنه اختلال في وعيه، أن عويل النسناس اللذين تركوهم في البرد خارج الخان هو ما أبكاهكان عذابًا ما فعلوه بهمثمّ أنّه سمع وقع أقدام ذات صدى تقترب.

اقترب الوقع حتّى تجلّى هيكلًا ما بحجم رجلثمّ دنا الهيكل وتبدّل حتّى استقرّ شكله في شكل تالحكان مظهره كالطيف الأخضريمشي بخطوات مُتمهّلهأثناء مروره بالقرب منه تطلّع ذؤيب في الدموع الخضراء تحت عينيه، ولحيته الخضراء الغير مشذبةالتفت تالح وقال: “أنت!”.
حدّق ذؤيب.
أرأيت الذي حصل؟".
هزّ ذؤيب رأسه مُجيبًا.
ماذا صنعتُ أنا؟".
ظننّا أن ما رأيته أصابك بجنون، ثمّ هاجمتنا".
هل قتلتُ أحد؟”.
جميعهم إلا أنا”.
ركع تالح على ركبتيه وأجهش بالبكاءثمّ خاطبه بهذيان: “أنصحُ يا ذؤيب أن نهرب، ما رأيته يستحيل وصفهﻻ يصح أن يرى إنسان مشهدًا كهذالقد خفتُ، ويسهل عليهم تلبّس الخائفلقد نظروا إليّ، وما حدث هو أن جرَت الأفكار في بالي بسرعة حتّى بلغ حد أن دماغي فُقس كالبيضة الصُّلبةأخذني الرّعب لأقصى مراحله حتّى هدّأني جنوني فغديتُ باسمًا كصفار البيض، ﻻ أذكر كلّ شيءكانت أشكالهم مُروّعة يا ذؤيب، تشعّ بنور أخضر كهذاسيظهرون الآن، وآمرك أن تُغلق عينيك".
صمت ذؤيب لبرهة، ثم قال والسّكون بدأ يتخلّى عنه: “ولكن زراد رآهم".
أظن ﻻ يُخيفون إذا كانوا على أشكالهم وهم جوعىأنا رأيتهم وهم ينهمون الـ..”.

ثمّ تناهى إلى إذنه وقع خطى، أكثر من قدم تقترب، يُضخّمها الصّدىصمت تالح باترًا حديثه بطبيعة الحال، وتجمّد نظرهُ في الاتّجاه الذي صدر منه الوقع، النظرة نفسها التي رآها ذؤيب في وجه تالح عندما تصلّب عند الحفرةلكن تحركت شفتيه، وهمسَ بشيء، وعيناه مُثبّتة كأنّه يترقّب محبوبًا، بدت شفتيه كأنها تتجهّز للبكاء، ثم وبلمحة خاطفة كأنّها تبتسم، ثمّ تعود للهفةثمّ التفت إلي ذؤيب وقال بحزم: “ﻻ تفتح عينيك مهما حدث”وأغلق عينيه وقلّده ذؤيب.

ارتعدت يدي ذؤيب جراء الخطوات التي تدنو أكثر وأكثر إلى صدره العاريأمسك تالح يده وضغطها بقوّة فشعر بقليل من الطّمأنينةتناهى إلى مسامعه، غير الخطوات، على ما يبدو رِدائهم الذي يشبه صوتها سلاسل الذهب التي يُعلّقها بعض التّجار حول أعناقهم وأقدامهم، وصريرًا يشبه صرير الفئران أو الحشرات لو أضحت أحجامها كبيرة، وسمع قرقرة وبقبقة وصفيرًا ولهاثًا.

ثمّ ذهبت هذه الأصوات جميعها، وشى هذا عن توقّفهم أمامهماشدّ تالح على يده، وسمعه ذؤيب يزدرد لعابه.

تحدّث أحد السّحالي، غير أنّ كلامه لم يفهمه ذؤيب، ثمّ قال صوت بنبرة وقورة: “أمرني سيّدي أن أسالكما عن اسميكما ولمَ أنتم هنا".
أرخى تالح قبضته، ثمّ تنهّد ونطق بكلمات مُتلعثمة غير مفهومه: “وو، أأأ، ممما، أننننا".
قال ذؤيب: “نحن مبعوثون من الملك فروان".
نطق أحد السّحالي، ثمّ قال صاحب الصوت الوقور: “وماذا تصنعان هنا؟".
كادَ ذؤيب أن يفتح عينيه، غير أنّه استدرك في آخر لحظة، وقال: “ما بعثنا الملك لأجله هم النّسناس، وأنتم سلبتموه منّا".
بدا أن حديثه أغضب السحليّة التي ارتفع صوت قرقرتها وصريرها، ثمّ قال صاحب الصوت المفهوم: “كم عدد النّسناس الذين سُلبوا منكم؟".
صمت ذؤيب لبرهة، ثمّ أجاب: “خمسة".
غضبت السحلية فسمع ذؤيب صفيرها ولهاثها القبيح وتحرّك سلاسلها، ثمّ قال الصوت الوقور: “نحن سنُعيد النّسناس إليكم، وأخبر ملكك أن يتذكّر الحدود التي بيننا".
سأله ذؤيب: “أي حدود؟".
ملكك يعرفها".

تحرّكت الأصوات وعادت لجّتها وهيَ تبتعد شيء فشيئًا، وبعد خمسُ دقائق اضمحلّت ثمّ انعدمتقال تالح: "ﻻ تفتح عينيك بعد".
ولكن ذؤيب فتحهما ليجد الخضرة التي ملأت الجو اختفت تمامًا، ولكن الظلام رغم ذلك كان أقل من قبليبدو أنّهم أعادوا فتح الحيطان التي سدّوها في وجوههم.

عندما خرجا من الثغر الكبير، وجدا النّسناس مُقيّدين بحبل سميك يجعلهم في حلقةنظرَ تالح حواليه فاحصًا جميع الجهات، نظرته وشت أنّه عاد فجأة إلى تالح القائد، ابن الخياط، وقال: “أتعرف طريقة لنقلهم؟".
وحدينا، وبلا خيل؟ ﻻ أعرف".

*****

حكى تالح ما وقع لهم لبنو عمومة الملك في النّزل، واستمالهم بحديثه المُتمهّل، مع تعبيرات وجه مُروّعة، وصمت بين الكلام، وهو يُحدّق فيهم بعين من حديد، والذي جعلهم يحنون ظهورهم إليه، ساعين إلى سماع الحدث القادم بكل انتباهوصف مقتل زراد وكساف وأجدر وأزيك وتُليل وفُسيم، بكلمات اختيرت بعناية، رغبةً منه ليشفقوا عليهما.

قبل أن يبلغوا القافية، أبدى ذؤيب خوفه من أنّهم لن يكترثوا لما حدث، فخطّط مع تالح طريقة لحكي الحكاية، في تعبيرات الوجه اللّازمة مع كلّ كلمة مختارة، فمثّل تالح القصة لذؤيب، ثمّ طلب ذؤيب منه، بدلًا من غفلتهم يوم يختطف السّحالي النّسناس، أن يجعلهم يقاتلونهم بشجاعة داخل الخان، ولكن الكثرة غلبت شجاعتهموأن يُخفي هلع زراد المستمر تكريمًا له، وأن يُصور مقتل التوأمين تُليل وفُسيم بشاعريةوفي النهاية، بعد أن يحوّل وجهه من قاص بارع إلى وجه أكثر رزانة ورصانة، أن يُفضي ما قالهُ ترجمان السّحالي: “أخبر ملكك أن يتذكر الحدود التي بيننا".

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قصة مترجمة: المحبوبة (للفنّانة السّرياليّة ليونورا كارينجتون).

قصة قصيرة: الواحة.

قصة قصيرة: أحلام منسيّة