المشاركات

عرض المشاركات من 2023

قصة قصيرة: غموض.

صورة
      آمنَ مالك عندما كان صغير بأمور خارجة عن المألوف. كان يعتقد، مثل أي طفل، أنّ المُمثلين، ومُذيعي الأخبار، في الواقع هم داخل شاشة التّيلفزيون التي أمامه. ولكن الغريب أنّه عندما كبر في السّن لم يتخلّى عن اعتقاده هذا. فتجده يُلزم زوجته ووالدته وأخواته على لبس ما يسترهم قبل تشغيل التّيلفزيون. وهنّ لا يُعارضوه. وعندما يحين وقت مُسلسلهن المُفضّل تقفُ واحدة عند الباب لتبلغهم إن سمعت صوت قدومه.      وغير هذا كان يعتقد أنّه هوَ من يُشرق الشّمس ويجعلها تغرب. حيثُ يقف وقت الشّروق والغروب في الفناء ويدعي أن تخرج الشّمس أو تغرب فتغرب أو تشرق. ولكن لحُسن الحظ، عدِل عن ظنّه هذا قبل زواجه. لكن آمنَ بعدها أنّ جميع البشر يستطيعون رؤيته من وراء الجدران، فتجدهُ مثلًا يُحذّر من يسكن معه في البيت أنّه سيُبدّل ملابسه، أو أنّه سيغتسل. والأمر الذي جعلهُ يكفر بهذا الاعتقاد هوَ عندما كشف خيانة زوجته، حيث وقف أمام باب غرفتها يستمع إلى حديثها مع حبيبها. ولو كانت تراه من خلف الجدران لأغلقت هاتفها أو حادثت حبيبها وكأنّه صديقتها. ولكن من يستطيع إقناعه أنّ لا يوجد بشر داخل التّيلفزيو...

قصة قصيرة: أنا لستُ موجود.

صورة
  في رأس الصّبي الصّغير كائن يُكلّمه، يَحثّه، يَنهيه، يُشجّعه. وفي دروس الرّياضيّات، أو لمّا ينصحوه الكِبار عن الحياة،   يزيد صخب الكائن، ويروي له حكايات غريبة تُسلّيه. وفي إحدى الأيّام ارتفعت درجة حرارة الصّبي إلى أربعين درجة مئويّة، فحدّثه الكائن وهو يرتعد من البرد: - كل هذا بسببك أنت. أكلتَ الآيسكريم ثمّ خرجت تلعب تحت المطر. والآن لا أستطيع التّفكير بسلام من شدّة البرد. قال الصّبي للصّوت: - لم أستطِع كبح شهوتي للآيسكريم، ولا أودّ تفويتَ المطر. - والآن ستنقضي العطلة وأنتَ مريض. تشاجرا اللّيل كلّه، بينما والدا الصّبي نائمين في غرفتهما. مرضَ الصّوت مثلما مرض الصّبي. قال له الصّوت مُوسوِساً:   - أبوك وأمّك النّائمين ليسا أبويك الحقيقيّين. - من هما إذن؟ - قتلا أبويك وتنكّرا. رفع الصّبي ظهره وجلس. دارت أفكار مُرعبة في رأسه، وتابع الصّوت الغير موجود: - اهرب. اخرج الآن من النّافذة واطلب الشّرطة. وكان الصّبي ينوي الفرار، ولكن الحمى أثقلته. وبعد ساعة دخلت أمّه الغرفة ووضعت منديلاً بارداً على رأسه، وبينما كانت جالسة قال ابنها: - أين وضعتُما أبوَيّ؟ ضحكت وقالت مُطم...

قصة قصيرة: وسواس.

صورة
  اشترت اختي قِط فلم أعُد أفتح باب غرفتي. على أنّ القِط خجول في نزله الجديد، يتوارى عن الأنظار، فنجده بين المغاسل أو وراء الثّلاجة. لم أعتد على مخلوقات يسكنون معنا غير البشر. فأحياناً أدخل المطبخ آخر اللّيل وأعدّ شايًا وأنا أُدندن، فألمح بطرف عيني شيئًا أبيض يتحرّك، عندها يُصيبني رعب شديد. وليس كأيّ رعب. عرفتُ حينها لمَ شعرُ الشّخوص في الرّسوم المُتحرّكة ينتصب. رعب من النّوع الذي عندما تجلس في البيت وحدك وتُريد الاتفات إلى الوراء فتتخيّل أن ترى جانًا. ولكن الرّعب الذي شعرت به، أكثر من مرّة، كأنّك ترى الجان فعلاً. نزلتُ إلى الصّالة بعد أيام ووجدته، ولأوّل مرّة، مستلقٍ على جنبه، دون أن يجفلَ منّي. رقّ قلبي له. اختي فرحت به، ووالديّ كذلك، رغم أنّهما غالبًا يشتكيا من شعره على ملابسِهما. ولا أعلم لمَ رقّ قلبي له، ربّما بسبب شدّة خجله وسكونه. تُطعمه اختي مرّتين في اليوم. يأكل ثمّ ينزوي تحت كنبة الصّالة، وننسى وجوده بقيّة اليوم. ومرّات قليلة، لحظةَ تناولنا الغداء، نكون جالسين بشكل دائري لا ندري عن مُحيطنا، ونتفاجئ بالقط يُخرِج رأسه بيننا يُحدّق بالأرز والدّجاج. فنجفل ونضحك. ثمّ تأخذه ...

قصة قصيرة: ونلقاكم في موعد آخر.

صورة
  ركن صالح سيارته   في موقف بعيد عن بوّابة الكُليّة المُخصّصة للطلّاب . وأسرع في طريقه وهو يلوم نفسه على ضياع الوقت، والأهم على ضياع حياته، فهو يبلغ من العمر ثلاثون عام ولايزال طالب . مرّوا منه أجيال رآهم يُصبحون رِجال أمامه . جاؤوا صغاراً لم تخط شواربهم وذهبوا بالغين بعوارض . كان يستحق هذا اللّوم وذلك لإهمالهِ وغيابه عن الاختبارات الشّهريّة التي تُعد هامة، ربّما أهم من الاختبارات النّهائيّة . ولمّا بلغ القاعة الباردة وجد المُحاضر يُودّع الطّلّاب، فخرجوا جميعهم وهوَ واقف مشدوه . وحين خلت القاعة إلّا من المُعلّم أقبل عليهِ صالح ليسأله فيما إذا اُحتُسِب تأخيره، نهض المُعلّم وقال قبل أن يُغادر : " إلى لِقاء آخر يا صالح ". ركب صالح سيّارته وفي طريقهِ إلى بيته، في مُحافظة أخرى تبعد نصف ساعة، كانت جميع البرامج في إذاعة الرّاديو تُودّعه أيضاً، فما أن يقع على برنامج عن مواضيع مُحبّبه إليه مثل كُرة القدم أو ثُنائيّة مُسليّة ( بين رجل وامرأة عادة ) يج...